شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (5)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

نماذج مِن الفساد ومكافحته ذكرها القرآن الكريم (1)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

وردت مادة (فسد) وما اُشتق منها في القرآن الكريم نحو 50 مرة في آياتٍ كثيرة، تناولت الفساد مِن جهة كشف حقيقته وعرض نماذج منه، وتوضيح كيفية التخلص منه، وفي المقابل: تناولت آيات أخرى كثيرة، الحديث عن الصلاح والإصلاح وعرض نماذج منه، وبيان كيفية تحقيقه.

والفساد يطلق في القرآن على معناه اللغوي، لذا فقد تناول:

أ- الفساد الكوني: كالفساد الذي سيلحق الكون لو أن فيه أكثر مِن إله، أو لو جعل الله -تعالى- الحياة وفق أهواء البشر، قال -تعالى-: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ) (الأنبياء:22) ، وقال -تعالى-: ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ) (المؤمنون:71) .

ب- فساد الأرض بمخالفة شرع الله -عز وجل- عامة: إذ صلاح الناس في إقامة شرع الله وعدم الخروج عنه، قال -تعالى-: ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ) (الأعراف:56) ، وقال -تعالى-: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) (الروم:41) ، وقال -تعالى-: ( الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ) (الفجر:11-12) ، فيشمل الفساد كل معصية ترتكب، فكل معصية ترتكب هي مِن الفساد المذموم المنهي عنه شرعًا. فالفساد شرعًا يتناول جميع الشر، كما قال ابن تيمية -رحمه الله-.

ج- الفساد بمعناه الاصطلاحي: وهو الفساد الذي يكون مِن أجل الحصول على منفعةٍ ماديةٍ أو معنوية خاصة أو شخصية على حساب الآخرين، كما في قوله -تعالى- عن استبداد وفساد الملوك: ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) (النمل:24) ، وهذه صورة مِن صور الفساد السياسي، وكما في قوله -تعالى-: ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (البقرة:188) ، وهذه صورة مِن صور الفساد الإداري الاقتصادي.

والأصل في تعامل الناس مع بعضهم البعض أن يكون التعامل وفق مصالحهم جميعًا، فإن انفرد أحدهم -أو حاول أن ينفرد- بمصلحته الخاصة على حساب الآخرين وإضرارهم؛ فهذا وجه الفساد منه.

وقد جاء ذكر الفساد مع ذكر (الأرض) في نحو 33 موضعًا في القرآن الكريم؛ إذ إن الفساد مختص بالحياة الدنيا على الأرض، ولا مكان له في الآخرة، قال -تعالى-: ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ) (القصص:83) ، ويؤكد ذلك إخراج إبليس مِن الجنة لما كفر، وهبوط آدم وحواء منها لما عصيا وقبلت توبتهما، قال -تعالى-: ( اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ) (البقرة:38) ، فالفساد مرتبط بالحياة الدنيا على الأرض، وليس له مكان في الحياة الآخرة في الجنة.

وقد ذكر فعل (سعى) مع ذكر الفساد، والسعي دون المشي، فالسعي كما قال الراغب في (المفردات): "المشي السريع وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر". وذكر فعل (عاث) مع الفساد، قال -تعالى-: ( وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) (البقرة:60) ، والعيث: الإسراع في الفساد، كما نقله ابن منظور عن الأزهري. وهذا يترتب عليه بالتالي سرعة انتشار الفساد وتفشيه في المجتمع، وهذا يستلزم بالتأكيد أن يكون أهل الصلاح -مِن باب أولى- أكثر سعيًا وأشد جدية في مواجهة الفساد ومحاولة إصلاحه.

ونظرًا لتعدد أنواع الفساد مِن جهة، ولتركيز الكثيرين على الفساد السياسي والإداري مِن جهة أخرى، فلا يوجد تعريف واسع جامع للفساد يجمع كل أنواعه.

صور مِن الفساد ذكرتْ في القرآن الكريم:

ذكر القرآن العديد مِن صور الفساد، والعديد مِن صور مكافحة الفساد، ومِن أشهر هذه الصور: فساد فرعون مصر في عهد موسى -عليه السلام-، وهي أكثر صور الفساد ذكرًا في القرآن الكريم؛ إذ تكررت بتفاصيل كثيرة في سور القرآن، وفساد فرعون مِن أشهر صور الفساد السياسي في التاريخ، إذ تمادى فرعون مصر في الاستبداد والطغيان، وأسرف في الاستكبار والإفساد في الأرض، فأرسل الله إليه موسى وهارون -عليهما السلام-، فلم يرجع عن غيه بعد كل ما رأى مِن الآيات، وبعد قيام الحجة البالغة عليه! فأغرقه الله -تعالى- وجنوده في اليم وجعله عبرة للأولين والآخرين، ( فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ) (النازعات:25) .

ومما ورد في فساد فرعون في آيات القرآن الكريم:

قوله -تعالى-: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) (القصص:4) ، وقال -تعالى- لموسى -عليه السلام-: ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ) (طه:24) .

وقد غرَّ فرعون قوة جنوده وكثرة أتباعه وخضوع الناس له؛ فأظهر جحد الخالق -عز وجل-، وزعم أنه هو الإله! قال -تعالى- عن فرعون: ( فَحَشَرَ فَنَادَى . فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) (النازعات:23-24) ، وقال -تعالى-: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) (القصص:38) .

الصفحة التالية