الثبات (8)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
3- تثبيت القاضي الفاضل صلاح الدين الأيوبي في حرب الصليبيين:
كان صلاح الدين محاصرًا الصليبيين في عكا ثلاث سنوات متصلة، في أحوال عصيبة، وقوارع مخيفة، وقد أستبطأ النصر، فجعل وزيره ومستشاره القاضي الفاضل يرسل إليه مِن مصر رسائل التثبيت المعينة على الصبر وانتظار النصر من الله -عز وجل-، وهذا مقطع مِن إحداها، قال: ... يا مولانا، أليس الله -تعالى- اطلع على قلوب أهل الأرض فلم يؤهّل ولم يستصلح، ولم يختر ولم يُسهل، ولم يستعمل، ولم يستخدم في إقامة دينه وإعلاء كلمته وتمهيد سلطانه وحماية شعاره وحفظ قبلة موحديه، إلا أنت، هذا وفي الأرض مَن هو للنبوة قرابة، ومَن له المملكة وراثة، ومَن له في المال كثرة، ومَن له في العدد ثروة، فأقعدهم وأقامك، وكسَّلهم ونشَّطك، وقبضهم وبسطك، وحبب الدنيا إليهم وبغَّضها إليك، وصعّبها عليهم وهونها عليك، وأمسك أيديهم وأطلق يدك، وأغمد سيوفهم وجرّد سيفك، وأشقاهم وأنعم عليك، وثبطهم وسيرك: ( وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ) (التوبة:46) ، وجعل يبشِّره بالنصر القريب" (انظر: البداية والنهاية، وسير أعلام النبلاء) .
- العلماء والدعاة أعظم رفقة تعين على الثبات: قال ابن القيم -رحمه الله- وهو يتكلم عن شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله: "وكُنَّا إذا اشتَدَّ بنا الخَوفُ، وساءَتْ مِنَّا الظُّنونُ، وضاقَتْ بنا الأرضُ؛ أتَيْناه، فما هو إلَّا أنْ نراه ونَسمَعَ كَلامَه؛ فيَذهَبَ ذلك كُّله، ويَنقَلبَ انشراحًا وقوَّةً ويقينًا وطُمَأْنينةً!" (الوابل الصيب من الكلم الطيب) .
خاتمة: عاقبة مرافقة الصالحين:
- أنت بينهم سالم رابح، ولو كنت مِن المقصِّرين: ففي حديث الملائكة السيارة: ( فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ) (متفق عليه) .
- مرافقة الصالحين ومحبتهم تجعلك معهم في الجنة ولو كنت دونهم في الأعمال: عن أنس -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلا قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ( وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ ) قَالَ: لا، إِلا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: ( فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ )، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ بَعْدَ الإِسْلامِ فَرَحَنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ: ( إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ). قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ كُنْتُ لا أَعْمَلُ بِأَعْمَالِهِمْ. (متفق عليه) .
فاللهم إنا نسألك مرافقة الأنبياء، والصحابة، والصديقين والصالحين والشهداء في جنات النعيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كثير مِن رفقاء السوء عند الاختلاف يتحول الى عدوٍّ لدودٍ، ويحمل راية الحرب على مَن كان صاحبًا له.
(2) لا منافاة بين اجتناب الفاسدين وعدم مصاحبتهم، وبين جعلهم محلًّا لدعوتنا.