شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كيف نختلف من غير أن نفترق؟

الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة

الأول: في قصة الإفك كما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة -رضي الله عنها- في قصة الإفك الحديث، وفيه: فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن يومه فاستعذر مِن عبد الله بن أُبَيِّ ابن سلول، قالت: فقال وهو على المنبر: ( يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي ). قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْذِرُكَ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ -وَهُوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ، قَالَتْ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ-، فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لاَ تَقْتُلُهُ، وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ، قَالَتْ: فَثَارَ الحَيَّانِ الأَوْسُ، وَالخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُخَفِّضُهُمْ، حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ.

فالشرع أمر بالتسكيت والهدوء وعدم المنازعة بين الصف المسلم، ولا اختلاف على جُرم عبد الله بن أبي ابن سلول ونفاقه، كما دلت عليه الأدلة، ومع ذلك فالموقف لابد أن يُراعَى فيه كثير مِن الضوابط في كيفية إنكار المنكر، وفي مراعاة المصالح والمفاسد، وتمكُّن النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن تسكين الفتنة بين المسلمين، وهذا هو الواجب علينا.

وأما المثال الثاني: فهو قوله -سبحانه وتعالى-: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ) (النساء:88) .

روى ابن جرير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في سبب نزول الآية، قال: "وذلك أن قومًا كانوا بمكة قد تكلّموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا مِن مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحابَ محمد -عليه السلام-، فليس علينا منهم بأس! وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا مِن مكة، قالت فئة مِن المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم! وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله! -أو كما قالوا-، أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلَّمتم به؟! أمن أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارَهم، تُستحلّ دماؤهم وأموالهم لذلك! فكانوا كذلك فئتين، والرسول -عليه السلام- عندهم لا ينهى واحدًا مِن الفريقين عن شيء، فنزلت: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ )" (تفسير الطبري 8/ 10-11) .

وقد نزل القرآن الكريم بموافقة الطائفة التي أمرت بقتالهم، ومع ذلك فبقيت المودة والأخوة الإيمانية، ولم يسمح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهذا الاختلاف أن يمزِّق الصف المؤمن أو أن يُغَيِّر الصدور للاختلاف في طريقة التعامل مع هؤلاء المنافقين مع شدة نفاقهم، بل قد أظهروه واستوجبوا عليه العقوبة الظاهرة لردتهم عن الإسلام، كما قال -تعالى-: ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا ) (النساء:89) ؛ فالحفاظ على الصف المسلم ضرورة مِن ضرورات الاستمرار في الدعوة إلى الله -عز وجل-، والحفاظ على الكيان.

فلنتأدب بآداب الخلاف، ولا يتهم بعضنا بعضًا، ولا يسخر بعضنا مِن بعض، ولنحسن الظن، ولنُراعِ أمر الاجتهاد؛ فالمجتهد المصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد.

والله المستعان.

الصفحة السابقة