الفساد (19)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
فساد المحليات (1-3)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيرى الكثيرون أن الفساد قد استشرى في المحليات، ويضربون على ذلك الأمثلة الكثيرة، ولكن لا يتنبه الكثيرون إلى أن هذا الفساد يكمن في -ويرجع إلى- الفشل أو عدم الرغبة الجادة في تطبيق اللامركزية في مصر؛ إذ إن الإدارة المحلية واللامركزية هما وجهان لعملة واحدة؛ هذه العملة هي الحكم الرشيد، ولهذا فإن التعرف على أسباب الفساد في المحليات يتطلب التعرف على نظام الإدارة المحلية عامة وفي مصر خاصة، بسبر أغواره والتعرف على أسراره، فهي مكمن الداء وأس البلاء.
قد يتعجب القارئ عندما يعلم أن مصر مِن أوائل الدول التي تبنت نظام البلديات؛ إذ بدأ ذلك في مصر عام 1866م، وهو نظام يهدف إلى مشاركة السكان في إدارة شئونهم المحلية، فأين مصر اليوم مِن تطبيق هذه الإدارة المحلية؟! ولنبدأ القصة مِن أولها:
ما المراد بالإدارة المحلية؟
يمكن تعريف الإدارة المحلية بأنها: "منطقة جغرافية محددة تمارس نشاطها بواسطة سكانها أو ممثليهم تحت إشراف ورقابة الحكومة المركزية" (انظر: أساليب تنظيم الإدارة المحلية: دراسة مقارنة - موقع جوجل، ص 4) . أو هو: "استقلال نسبي لمنطقة جغرافية محدودة في إدارة شئونها المحلية بواسطة سكانها أو ممثليهم، تحت إشراف وتعاون الحكومة المركزية" (المصدر السابق، ص 17) .
ومِن هذا التعريف يتبين خصائص الإدارة المحلية، وهي:
1- وجود منطقة جغرافية محددة، تمنح الشخصية الاعتبارية أو القانونية أو المعنوية.
2- مشاركة سكان هذه المنطقة في إدارة شئونهم المحلية، من خلال انتخاب مَن يمثلهم للقيام بذلك، ويسمى المجلس الذي يضم هؤلاء المجلس الشعبي المحلي.
3- هذه الإدارة المحلية ممثلة في مجلس الشعب المحلي لا تعمل بمعزل عن الحكومة المركزية، بل تتبعها، فبينهما تعاون وتنسيق، وهناك رقابة ومتابعة، فالكلمة الأخيرة للحكومة المركزية وقيادتها.
الحكم المحلي:
يختلف الباحثون حول مدى التشابه أو الاختلاف بين الإدارة المحلية والحكم المحلي، فهناك مَن لا يرى بينهما اختلاف، وهناك مَن يضع فروقًا بين المصطلحين، منها:
- إن الإدارة المحلية تتعلق باللامركزية الإدارية، بينما الحكم المحلي يتعلق باللامركزية السياسية، أشبه بنظام الدولة الاتحادية (الدولة الفيدرالية)، وهو فرق مأخوذ من اختلاف كلمة الإدارة عن كلمة الحكم.
- إن الإدارة المحلية هي خطوة أو مرحلة أساسية نحو الحكم المحلي، فالتدرج في تطبيق اللامركزية يتطلب البدء بتطبيق اللامركزية الإدارية الجغرافية، بتفويض -أو تخويل- صلاحيات لممثلين عن منطقة جغرافية للقيام بالإدارة المحلية لمنطقتهم مِن خلال إصدار قانون خاص بذلك، أي إصدار قانون للمحليات ينظم هذا الأمر، وعلى قدر نجاح التجربة وإثبات هذه الإدارة المحلية لكفاءتها وقدرتها على إدارة الشئون المحلية المنوطة بها، يكون الشروع في تطبيق الحكم المحلي في تلك المنطقة.
- إن العبرة في التفريق بين الإدارة المحلية والحكم المحلي تكمن في مدى ما تتمتع به المجالس الشعبية المحلية مِن قدرة على اتخاذ قراراتها المحلية بصورة مستقلة، ومدى قدرتها على تنفيذ هذه القرارات المحلية داخل حدود وحدتها الإدارية، فحقيقة الإدارة المحلية أو الحكم المحلي: الاستقلال النسبي لمنطقة جغرافية محددة في إدارة شئونها المحلية بواسطة سكانها أو ممثليهم، تحت إشراف ورقابة الحكومة المركزية.
والمراد بالاستقلال النسبي: حرية التصرف في الشئون المحلية، على أن تكون هذه الحرية النسبية في التصرف مستمدة من قانون الإدارة المحلية مباشرة، وليس من أشخاص الحكومة المركزية. ومرجع ذلك إلى القرار الفعلي لدى السلطات المركزية ورغبة الإرادة السياسية في جعل هذه الخطوة خطوة جادة نحو تطبيق اللامركزية أو جعلها خطوة في الواقع الفعلي شكلية غير مفعلة.
الحكم الذاتي: هو نظام واسع من الصلاحيات -بما فيها صلاحيات تتعلق بالموارد المالية- أكبر بكثيرٍ مما توجد في الإدارة المحلية والحكم المحلي، يكون اللجوء إليه نتيجة لقرار سياسي لمواجهة وضع طارئ أو ظروف عرقية أو قبلية، كما في الحكم الذاتي للأكراد في شمال العراق، لما للأكراد من خاصية عرقية وثقافية.
لا يشترط أن يكون أعضاء المجلس الشعبي المحلي بالانتخاب، فلم يشترط تعريف الأمم المتحدة للحكم المحلي انتخاب أعضاء المجلس الشعبي المحلي فيجوز أن يكون أعضاء المجلس كلهم أو نسبة منهم -كبيرة أو صغيرة- مِن المعينين مِن قِبَل الحكومة المركزية، وهو المتبع في كثير من الدول العربية، وفي النظام الفرنسي يستعمل مصطلح الإدارة المحلية بالرغم أن كل أعضاء المجلس المحلية يتم اختيارهم بالانتخاب فقط، بينما كان مصطلح الحكم المحلي يستعمل في النظام الإنجليزي حتى عام 1974م بالرغم مِن وجود الرجال الحكماء في المجلس المحلية، والذين كان يتم تعيينهم بواسطة المجلس المحلي.
وفي مصر جرى استخدام مصطلح الإدارة المحلية من عام 1960م إلى عام 1979م، ثم استخدم مصطلح الحكم المحلي من عام 1979م إلى عام 1988م، ثم أعيد استخدام مصطلح الإدارة المحلية من جديد بعد عام 1988م؛ تم ذلك دون إجراء تعديلات جوهرية في النظام المتبع إلا تغيرات طفيفة غير مؤثرة على النظام المتبع.
أهمية الحكم المحلي واللامركزية:
يمكن القول: إن البشرية عرفت الإدارة المحلية والحكم المحلي مِن قديم الزمان، فمنذ نشأة القرى الصغيرة قبل ظهور الدول اعتاد أفراد القرية على الاجتماع للنظر في شئون قريتهم، وإدارة أحوالهم وحل مشاكلهم، ولعل هذه الصورة المبسطة تعد أول تطبيق عملي للديموقراطية المباشرة، حيث يمارسها سكان القرية جميعهم مباشرة وبدون ممثلين عنهم، فكأن هذه الصورة هي الأصل الذي أخذت منه النظم الحديثة مبدأ الديمقراطية كأساس للدولة المدنية الحديثة، ولكن حاليا الديموقراطية في الدولة المدنية الحديثة ديموقراطية غير مباشرة، تتم عن طريق ممثلين للسكان نتيجة اتساع الدول وكثرة السكان فيها.