الثبات (12) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
عوامل الثبات (8) الصبر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- مِن أعظم الأسباب المعينة على الثبات على طاعة الله -تعالى- "الصبر": قال الله -عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:153) .
- في أيام الفتن والشدائد والمحن تزداد حاجة المسلم إلى الصبر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ) قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ( بَلْ مِنْكُمْ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ ) (متفق عليه) .
- وهذا هدي النبى -صلى الله عليه وسلم- فى تثبيت أصحابه: كان يقول لهم -صلى الله عليه وسلم-: ( صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .
- الذي لا يصبر لا يثبت، ولا يصل إلى مراده ومحبوبه؛ فالصبر ضروري لكل إنسان: (انظر إلى الطالب كيف يصبر على المذاكرة ويكف نفسه عن لذة الراحة، وذلك ليصل إلى مراده، وهو النجاح في الامتحانات - وانظر إلى التاجر كيف يصبر على الأسفار، وسوء أخلاق الرجال، ويكف نفسه عن لذة الراحة، وذلك ليصل إلى مراده، وهو الأرباح وعدم الخسارة - وانظر إلى الغريب، وكيف يصبر على شدة العيش في أيام الغربة؛ لأن له غاية وهدفًا، وهو أن يعود إلى بلده، وقد حقق مراده). وهكذا كل صاحب هدف، ولو كان باطلًا، فإنه يصبر على ذلك ليصل إلى مراده، قال الله -تعالى- عن صبر الكفار: ( وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ) (ص:6) ؛ فكيف بأهمية الصبر في حقك أنت، يا صاحب أعظم هدف، وهو الفوز بالجنة، والنجاة مِن النار؟!
1- تمهيد مهم للكلام عن الصبر:
اختبر الله -عز وجل- عباده بأنواعٍ ثلاثة مِن الابتلاء:
النوع الأول: هو التكاليف الشرعية (الأمر والنهي)، هل يطيع ربه فيما أمر، وينتهي عما نهى عنه وزجر؟
النوع الثاني: الأمور الخبرية، هل يؤمن بالغيب الذي أخبر الله -عز وجل- به، مما لم يقع تحت حواسه؟
النوع الثالث: هو القضاء والقدر، هل يسلِّم العبد لقضاء الله وقدره، ويرضى بما قدره عليه، مما يشق على النفوس، فيصبر على أقداره المؤلمة، مع سعيه في الأسباب المشروعة فى االتعامل معها، ليكون دائمًا على طريق الحق والهدى؟
- المتراجع عن الثبات يُؤتى مِن نوع أو أكثر منها، وأكثرها شيوعًا الأخير.
2- الابتلاء بالشدائد والفتن والمحن امتحان لابد منه:
- سنة الله في الناس ليظهر الصادق من الكاذب: ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (الكهف:7) ، وقال الله -تعالى-: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (العنكبوت:2) .
- لن ينال أهل الإيمان المكانة العالية في الآخرة إلا بعد الامتحان في الدنيا: قال الله -تعالى-: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران:142) .
- وسنة الله أن الصالحين وحملة الدين هم أكثر الناس ابتلاء بالشدائد، فهم أشد الناس حاجة إلى الصبر: قال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ) (الأنعام:34) ، وقال: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) (لقمان:17) .
3- وجوه التثبيت مِن التحلي بالصبر:
- الصبر أعظم ما يعين على الثبات عند مواجهة مكر الأعداء: قال الله -تعالى-: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) (آل عمران:120) .
- الصبر سبب معية الله وحفظه ومحبته: قال الله -تعالى-: ( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:46) .
- الصبر طريق الإمامة والتمكين للدين: قال الله -تعالى-: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (السجدة:24) .
- الصبر طريق الفلاح والنجاح والتوفيق والسداد: قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (آل عمران:200) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ) (متفق عليه) .
- وبالجملة... الصبر عاقبته خير للعبد في الدنيا والآخرة: قال الله -تعالى-: ( وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) (النحل:126) ، وقال الله -تعالى-: ( إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (المؤمنون:111) ، وقال: ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة:155-157) ، وقال: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (الزمر:10) .
4- صور مِن صبر الأنبياء والصالحين: