شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

السلفيون والدعوة إلى الله

محمود عبد الحميد • المنهج السلفي

وقد حذر الله -سبحانه- من التقصير في أمر الدعوة، فقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (البقرة:174) ، وقال -تعالى -: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ) (البقرة:159) ، وقال -تعالى-: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) (آل عمران:187) ، فقال قتادة: "هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم ممن علم شيئًا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم؛ فإنه هلكة!"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ ) (رواه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه) .

والدعوة إلى الله هي: تعريف الناس بربهم بأسمائه وصفاته، وكيفية الوصول إليه -سبحانه- وما لهم، وما عليهم إذا رجعوا إليه. أو هي: حداء بالناس لمعرفة الله والإيمان به وتوحيده ربًّا خالقًا ومالكًا، وإلهًا معبودًا، وحاكماً فردًا، فلا منازع له في ربوبيته، ولا شريك له في المحبة، ولا مضاد له في حاكميته، واتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل أمر به، واجتناب ما نهى عنه.

والدعوة -أيضًا- هي: قيام المسلم ذي الأهلية في العلم والدين بتبصير الناس بأمور دينهم، وحثهم على الخير، وإنقاذهم من شر واقع، وتحذيرهم من سوء متوقع على قدر الطاقة؛ ليفوز بسعادة العاجل والأجل.

وتتميز الدعوة السلفية بأنها دعوة ربانية؛ لأنها تعتمد على أصلين أساسين هما: التوحيد والاتباع.

وهذا ما يجعلها دعوة ربانية في الغاية والوجهة، وربانية في المنهج والمصدر، فأما:

1- ربانية الغاية والوجهة:

فإن الغاية والهدف هو: حسن الصلة بالله، والحصول على مرضاته، وهذه هي غاية الإنسان ووجهته، ومنتهى أمله وسعيه، فهذا هدف الأهداف وغاية الغايات، وإن كان هناك أهداف أخرى إلا أنها تابعة لهذا الهدف الأكبر، والقرآن يقرر هذه الحقيقة بوضوح حين يذكر الغاية من خلق الجن والأنس، قال -تعالى-: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا َّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) (الذاريات:57) ، وقد أمر الله -تعالى- نبيه أن يعلنها للناس واضحة جلية : ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِين ً ا قِيَم ً ا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيف ً ا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين . قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّ ً ا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (الأنعام:161-164) ، والغاية -إذًا- من وجود الإنسان أن يعبد الله، فينبغي أن يحقق الإنسان الغاية من وجوده بأن يجعل الله غايته، فلا يعبد إلا الله، ولا يشرك به شيئًا.

ومن ثمرات ربانية الغاية والوجهة: أن يعرف الإنسان لوجوده غاية، ويعرف لسيرته وجهة، ويعرف لحياته رسالة، وبهذا يحس أن لحياته قيمة ومعنى، ولعيشه طعمًا ومذاقًا، فلا يعيش في عمايته، ولا يمشى إلى غير غايته، بل يسير على هدى من ربه وبينة من أمره واستبانة لمصيره بعد أن عرف الله وأقر له بالوحدانية.

ومن فوائدها: أن يهتدي الإنسان إلى فطرته التي فطره الله عليها والتي تتطلب الإيمان بالله.

ومن فوائدها: حصول الأمن والاهتداء، قال -تعالى-: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) (الأنعام:82) .

ومن فوائدها: أنها تؤمن النفس من التمزق والصراع والتوزع والانقسام بين مختلف الغايات وشتى الاتجاهات؛ لأن الإسلام جعل غاية الإنسان غاية واحدة، وهي: إرضاء الله -تعالى-، وجعل همومه همًّا واحدًّا، وهو: العمل على ما يرضيه -سبحانه-، ولا يريح النفس شيء مثل وحدة الغاية والوجهة، ولا يشقي الإنسان شيء مثل تناقض غاياته، وتباين اتجاهاته، وتضارب نزعاته، قال -تعالى- عن نبيه يوسف -عليه السلام-: ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) (يوسف:39) .

2- ربانية المنهج والمصدر:

هو أن يكون المنهج من عند الله -سبحانه وتعالى-، فلا تصدر عن شيء إلا جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيكون الاستدلال بالكتاب والسنة والإجماع والقياس -الذي لا يتعارض مع نص أو أجماع-.

وهذا يقتضي: ألا نعارض القرآن والسنة بعقل، أو رأي، أو قياس، أو ذوق، أو وجد، أو مكاشفات.

وكذلك يقتضي: رفض التأويل الكلامي الذي يصرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل.

كما يقتضي: أن نأخذ بظاهر النصوص وما يتبادر منها من المعاني بحسب ما تضاف إليه وما يحف بها من القرائن، وهو: إجراء للنصوص على ظاهرها بدون تحريف.

كما أن هذا المنهج الرباني يقوم على فهم الكتاب والسنة بفهم أعلم الناس بالكتاب والسنة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

كما تقتضي هذه الربانية: أن لا يكون هناك معصوم إلا من عصم الله من الأنبياء والمرسلين والكتب المنزلة عليهم.

كما تقتضي هذه الربانية: رفض البدع ومحدثات الأمور في كل صورها وأشكالها، سواء كانت في العبادة أو العقيدة، أو كانت أصلية أو إضافية.

كما تقتضي: ذم التقليد والتعصب المذهبي.

الصفحة السابقة الصفحة التالية