من قصص البطولة
صوت السلف • السيرة والتاريخ
حدث لأحد أعيان مكة، قال: دخلت بستاناً من بساتين المدينة، فوجدت رجلاً حبشياً يجلس إلى جذر البستان وفى يده رغيف من الخبز وأمامه كلب مقع ـ جلسة الكلب على رجليه الخلفيتين ـ فكلما اقتطع من الرغيف لقمه اقتطع أخرى ودفع بها إلى الكلب.
فدنوت منه وقلت: أهذا كلبك؟
قال : لا.
قلت: فلم تطعمه وما معك غير هذا الرغيف.
قال: لأننا أمرنا ألا نأكل وذو عين ينظر إلا أطعمناه مما نأكل.
فقلت: أحر أنت أم عبد.
فقال: بل أنا لآل فلان.
فقلت: وهذا البستان؟
فقال إنه لهم، وأنا أعمل فيه.
فمضيت إلى سيده فشريته وشريت البستان أيضاً، ثم عدت إليه فإذا هو يعمل في شجره، فقلت له: لقد اشتريتك من سيدك وأعتقتك لوجه الله، واشتريت منه هذا البستان ووهبته لك ابتغاء مرضات الله، فما زاد على أن قال: الحمد لله الذي أعتق رقبتي، والشكر له على ما وفقك لهذا الخير، أما البستان فاشهد أنى تصدقت به على فقراء المدينة، فقلت: على رغم حاجتك؟
فقال: هداك الله، لقد أنعم عليّ الله، أفلا أكون عبداً شكوراً.
6- تقوى الله جل وعلا :-
من بواعث البطولة التقوى، فإذا تمكنت هذه المنقبة من قلب امرئ أحكمت سلطانها على نفسه، وشددت قبضتها على هواه، وملأت بالبطولة أعماله وتصرفاته، وما أحسن ما قيل في ذلك:-
ليس من يقطع طرفــــاً بطلاً إنما من يتقى اللهَ البطلُ
كان التابعي الجليل محمد بن سيرين قد قسم حياته أقساماً ثلاثة، فجعل قسماً للعلم يأخذه ويعطيه، وقسماً للعبادة يصفوا فيه إلى ربه، وقسماً للتجارة يكسب فيه المال الذي يسد به الحاجات، ويقضى به الحقوق ويعود به على المحتاجين، وفى ذات مرة اشترى زيتاً بأربعين ألف درهم مؤجلة. فلما فتح أحد زقاق الزيت ـ الزق: إناء من جلد تحفظ فيه السوائل ـ وجد فأراً ميتاً متفسخاً، فقال في نفسه: إن الزيت كله كان في المعصرة في مكان واحد، وإن النجاسة ليست خاصة بهذا الزق دون سواه وإني إن رددته للبائع بالعيب فربما باعه للناس، ثم أراقه كله. وقع ذلك في وقت كان محمد بن سيرين يشكوا من خسارة كبيرة حلت به، فركبه الدين، وطالبه صاحب الدين بماله فلم يستطع سداده، فرفع أمره إلى الوالي فأمر بحبسه حتى يسدد ما عليه فلما صار في السجن وطال مكثه فيه أشفق عليه السجان لما علم من أمر دينه وما رأى من شده ورعه وطول عبادته، فقال له: أيها الشيخ إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك وبت معهم، فإذا أصبحت فعد إلى واستمر على ذلك حتى يطلق سراحك فقال والله لا أفعل قال ولم؟
فقال: حتى لا أعينك على خيانة السلطان، ولما احتضر أنس ـ رضي الله عنه ـ أوصى بأن يغسله محمد بن سيرين ويصلى عليه، وكان ما يزال سجيناً، فلما توفى جاء الناس إلى الوالي واخبروه بوصية صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخادمه واستأذنوه في أن يخلي سبيل محمد بن سيرين لإنفاذ الوصية فأذن له.
فقال لهم محمد بن سيرين: لا أخرج حتى تستأذنوا صاحب الدين، فإنما حبست بما له عليّ من الحق، فأذن له الدائن أيضاً، عند ذلك خرج من السجن فغسّل أنساً وكفنه وصلى عليه، ثم رجع إلى السجن كما هو ولم يذهب لرؤية أهله.
سبحانك اللهم وبحمدك: أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
باختصار وتصرف من كتاب البطولة د. عبد الرحمن رأفت الباشا.
موقع صوت السلف
