أين ستصلي التراويح هذا العام؟
أحمد عبد الحميد • التزكية
- ومن هذه السلبيات صورة تجدها متكررة، وهي: هذا الأخ الملتزم الذي يحاول أهل مسجده الارتباط به أكثر، فيأتيه الشيطان في هذه الأيام، وقد لانت نفسه للطاعة، وعزم على ملازمة المسجد، فيوسوس له: أن دع مسجدك واذهب فصل أو اعتكف في المسجد الفلاني البعيد الذي لا يعرفك فيه أحد؛ لأن أهل مسجدك بهم كذا وكذا، وأنت الراغب في الخشوع الحريص على تهذيب نفسك، وفي هذا المسجد البعيد القارئ الفلاني حسن الصوت، نعم هو ليس أفضل صوت في العالم، ولكنه حسن وكفى، ولا بأس أن تكابد المواصلات، وزحام الشوارع بما فيها من فتن أو أن تنفق ساعة أو ساعتين من الليل في الذهاب والإياب، فأنت مجاهد تريد الخشوع، حتى ولو صليت وراء هذا الشيخ خارج المسجد وفي قارعة الطريق أمام الغاديات والرائحات فلا بأس عليك، فأنت على الجادة سائر، أما أهل مسجدك فلا يعرفون مصلحتهم، ولا يهتمون بمعالي الأمور وأما أنت فنعم الرجل، ويظل معه هكذا حتى يوقعه في غربة عن إخوانه، فيذهب ليصلي بمكان لا يعرف فيه أحداً، ولا يعرفه فيه أحد، وتكون غربة في غربة في غربة ... فتأمل.
ثم تنقضي أيام رمضان ولياليه سريعاً، ويعود الطير المهاجر إلى مسجده -إن عاد- متباهياً على إخوانه: "كنا نصلي بكذا، ونفعل كذا، وكان كذا وكذا..."، والمساكين -في حسه- محرومون من هذه الفتوحات، مقصِّرون في حق أنفسهم؛ فتنشأ الحواجز بينه وبين إخوانه في الله وتتسع الفجوات، وترى كيف يقضي المسكين عامه بعد ذلك إلى رمضان المقبل، وقد قطع جسور الصلة مع إخوانه، وأدخل الشيطانَ من فُرْجَة صنعها بيده، والله المستعان.
- ومن السلبيات أيضاً: حالة الأنانية الساذجة التي تعتري البعض الذي يرفع شعار "نفسي نفسي" مخادعاً نفسه بأنه هكذا ينجو بها، وإذ به يوردها موارد عطبها؛ فتجده يهرب من مسجده في مثل هذا الموسم العامر، مخلفاً وراءه فرصاً لا تعوض، وثماراً دانية في الدعوة إلى الله -تعالى-، فالناس قد أقبلت على المساجد مفتحة القلوب والأسماع لنفحات الخير، تنتظر فقط من يمد إليها ولو أصبعا -لا نقول يداً- تنتشلها من دوامة الضياع إلى جادة الطريق؛ فتجد هذا الشيخ الحكيم الناكر للجميل يفر من خندقه والثغرة التي هو عليها، متناسياً أنه كان في يوم من الأيام في أمس الحاجة إلى أن يجد أخاً على فهم وعلم في المسجد الذي دخله أول مرة منذ سنين يتحسس طريقه إلى الالتزام، فوجد من يعينه ويرشده، وكان في أشد الاحتياج إلى الدفء الإيماني، فوجد الصفوف المتراصة تملأ المسجد بالحنو والحدب على المقبلين على الله... أما الآن فهو قد استغنى أو يظن ذلك... ولن نزيد.
- وسلبية أخرى وهي: ما يترسخ عند البعض من أن الخشوع لسماع القرآن لا يمكن أن يحصل له إلا إذا استمع الشيخَ الفلاني أو إلا إذا كان الشيخ ندي الصوت، فيصير الخشوع أو محاولته مؤجلة إلى حين سماع هذا الصوت، وهذا بلا شك من مكر الشيطان، وكيف لا، والله يقول: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر:21) ، ويقول: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28)، ويقول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال:2).
فالعبرة هنا بسماع الوحي ووروده على القلب لا بمجرد ربطه بصوت إنسان مهما كان شأنه، فإنه يمرض يوماً ويتغير صوته، وماذا يحدث مثلاً لو مرض هذا الإمام ليلة؛ أضاعت تلك الليلة حينئذ.. ويا للخسارة؟؟!!!
ولا شك أن الصوت الحسن الندي له أثر في النفوس، وطلبه لا حرج فيه شرعاً، ولكن أن يصير وحده هو المعيار والدافع إلى الخشوع، فهذا والله من أبواب الفتن.
- وسلبية أخرى: فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بادروا بالأعمال ستاً -وذكر منها- ونشوًا يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليغنيهم وإن كان أقلهم فقها) (صححه الألباني)، أستحضرُ هذا الحديث وأنا أرى هذه الصور الفقاعية التي تتضخم يوماً بعد يوم لشباب حدثاء الأسنان قليلي البضاعة في العلم الشرعي، يصبح لهم اسم كالطبل، وتوزع لهم الأشرطة المسجلة، ويصير لهم مريدون ومجاذيب؛ لأنهم فقط يملكون صوتاً حسناً، وتتبعهم الأعداد الغفيرة من الملتزمين المنتسبين إلى السلفية -منهج العلم واتباع السنة-، يجرون وراء هذه النماذج، وينفضون عن مساجدهم، ويصير الأمر فتنة للتابع والمتبوع.
وأسوأ من انفضاض هذه الجموع عن مساجدها انفضاضها عن طلاب العلم والعلماء الحقيقيين المعروفين بالرسوخ في العلم، والاجتهاد في الدعوة، والتمرس في تربية الأجيال، والذين ربما لا يعيبهم إلا كونهم ليسوا على نفس درجة فلان الشاب الصغير في الأداء. وتأمل كلمة (الأداء) في حد ذاتها لتلمح فيها قدراً من السخافة لا يطاق.
- وأمر أخير هو حال هذه المساجد الموسمية التي تشتعل نشاطاً في الليل وحسب ، حينما يؤمها المصلون، ثم تعود إلى النوم بقية اليوم ثم بقية العام، نوماً لا قيام منه إلا رمضان العام التالي، وتأمل في المقابل حال هذه المساجد التي تجتهد طوال العام في البذر والزرع وما أن يأتي رمضان حتى ينفض الزارعون والحاصدون عنها، وتبقى ثمارها ذابلة على أشجارها في حاجة إلى من يمد إليها يده ليقطفها وقد ذبلت – فقط - ليلقيها في البحر وليزيحها من طريق من يريد الزراعة من جديد، لتعود الدورة مرة أخرى بذر ورعاية ثم حصاد ثم إلى بحر يزداد كل يوم ليلتهم مجهودات الزارعين.
فهل تمد يدك مع إخوانك هذا العام، أم يبقى السؤال حائراً ... أين ستصلي هذا العام؟؟... لك الخيار.
والحمد لله رب العالمين.
