شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

(الانفصام بين الفكر والسلوك) وظاهرة الإرجاء

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

بل إن بعض المنتسبين إلى السنة قد يؤصل لقضايا يظن أنه ينصح بها الأمة وهو يفتح بذلك باباً إلى الإرجاء حينما يدعى بعضهم أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفراً مخرجاً من الملة إلا إذا نسبه صاحبه إلى الشرع، وأما من لم ينسبه إلى الشرع -وإن ألزم الناس به وأوجبه عليهم وحرم عليهم مخالفته- فلا يكون عندهم كافراً ولا مستحلاً، ولو أنهم بينوا الحكم الشرعي وذكروا معها شروط تكفير المعين، أو حذروا الشباب عموماً من الخوض في الكلام على المعينين -الذي لا يجر على الأمة في ظروفها الراهنة إلا المفاسد- لكان الأمر حسناً فضلاً عن أن يفرع من هذه القاعدة لزوم القعود عن الممكن والمستطاع من نصرة دين الله إذا لم يأذن بذلك المضيع له، وهذا يلتقي مع بدعة الإرجاء -وإن لم يكن فيها صراحة- في تأخير بعض الأعمال بغير عذر شرعي تعبداً، ولو اقتصر نهيهم على الأعمال التي تستجلب مفسدة على المسلمين لكان رأيهم صواباً.

على الرغم من خطورة هذه البدعة، بل بالرغم من تحول ظاهرة الانفصام بين الفكر والسلوك إلى ظاهرة عامة في حياتنا المعاصرة، إلا أن كثيراً من المنتسبين إلى الدعوة لا يقدر لهذه البدعة خطرها، ولا يقوم بالجهد اللازم لردها.

الحاصل أن بعض المنتسبين إلى السنة رغم أنه يرى أن العمل داخل في مسمى الإيمان، لكنه ينظر إلى كثير من الأعمال الشرعية -التي يمكن أن تتم على وجه مشروع ويمكن أن تتم على وجه غير مشروع- فيؤاخذ هذا بذنب ذاك، وينهى عن الجميع، وتكون النتيجة القعود عن نصرة دين الله مع وجود وسائل متيسرة لذلك.

وعلى النقيض الآخر يوجد بعض من تدفعه الغيرة والشعور بالخطر الكامن وراء هذه البدعة إلى أن يدرج أقوالاً لبعض أهل السنة، بل قد تكون قول جمهورهم كعدم تكفير تارك الصلاة تكاسلاً ضمن أقوال المرجئة، ولكن هل تم له ما أراد؟

لقد قدم هذا الناصح فيما نظن هدية من ذهب حينما نسب إليهم أبا حنيفة ومالكاً والشافعي، بل والإمام أحمد أيضاً بناء على ما رجحه أشهر تلامذته ابن بطة، وابن حامد، وبناء على ما قرره ابن قدامة أشهر مصنفي مذهبه.

ونسب إليهم من المتأخرين الشوكاني والشنقيطي والألباني ناهيك عن ابن باز وابن عثيمين الذين وإن رأوا أن ترك الصلاة كفراً أكبر إلا أنهم يرون الخلاف في المسألة سائغاً مما يدخلهم تحت طائلة الإرجاء عند بعض الغيورين.

وعلى الصعيد الواقعي، انصرفت همة من أراد محاربة الإرجاء -من المتأثرين بهذا الكلام- إلى محاربة إخوانهم في العقيدة، بل إلى محاربة أئمة هذا المنهج كمجدد شباب الحديث وناصر الدين والسنة العلامة الألباني.

بينما الإرجاء الحقيقي يملأ السهل والوادي، منه ما ينتسب إلى الدين ومنه ما ينتسب إلى الدنيا، مما يقتضي منا وقفة جادة لمواجهة الأخطار الحقيقية التي تحيط بالأمة الإسلامية.

اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد!

الصفحة السابقة