الوظيفة والغاية
الشيخ أحمد فريد • التزكية
أما الغاية التي يجب على كل مسلم أن يسعى إليها فهي الوصول إلى تقوى الله، وإنما قلتُ ذلك، لأن الله -عز وجل- قال: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (البقرة:189) ، فلما كانت التقوى موصلة إلى الفلاح، كانت هي الغاية، ولأن الله -عز وجل- بيَّن الحكمة مِن كثيرٍ مِن العبادات، وأن المراد بها الوصول إلى تقوى الله -عز وجل-، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) ، وقال -تعالى-: ( لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ) (الحج:37) .
وبيَّن -عز وجل- في كتابه أن الجوائز في الآخرة كلها للمتقين، فقال -عز وجل-: ( وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) (الزخرف:35) ، وقال -عز وجل-: ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) (ق:31) ، وقال -تعالى-: ( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا ) (مريم:63) ، وقال -عز وجل-: ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (البقرة:212) ، وقال -عز وجل-: ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ) (الزمر:73) ، أي: جماعات جماعات، وقال -عز وجل- على سبيل الإجمال: ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ) (النبأ:31) ، ثم فصل فقال: ( حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا . وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا . وَكَأْسًا دِهَاقًا . لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا . جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ) (النبأ:32-36) ، وقال -عز وجل- أيضًا على سبيل الإجمال: ( هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ) (ص:49) ، أي مرجع، ثم فصل فقال: ( جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ . مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ . وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ . هَ?ذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ . إِنَّ هَ?ذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ) (ص:50-54) ، وأخبر عن قربهم مِن الحضرة، واللقاء والرؤية والبهاء، فقال -عز وجل-: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ . فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ) (القمر:54-55) .
بقي أن نعرف أن التقوى هي استشعار قرب الله -عز وجل- منك، كما قال بعضهم: "التقوى هي علم القلب بقرب الرب"، فكلما اجتهد العبد في طاعة الله -عز وجل- استشعر هذا القرب، كما قال -تعالى-: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ) (العلق:19) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ ) (رواه مسلم) ، فاستشعار هذا القرب هو تقوى الله -عز وجل-، ليس مَن كان في قصر الملك، على بساط الملك، ينظر إلى الملك والملك ينظر إليه، كمَن كان خارج القصر، أو خارج مدينة الملك، أو لا يستشعر وجود الملك بالكلية.
بقي أن نعرف أيضًا: أن الوظيفة توصل إلى الغاية، فالطاعة والعبودية لله -عز وجل- توصيل إلى تقوى الله -عز وجل-، كما يقولون: "الطاعة تولد القرب، والقرب يورث الأنس، والمعصية تولد البعد، والبعد يورث الوحشة"، فإذا اجتهد العبد في الطاعة، أنس بالله -عز وجل- لقربه، وسعد بالله -عز وجل-، واستغنى بالله -عز وجل-، وإذا عصى الله -عز وجل- استشعر الوحشة؛ لأن الله -عز وجل- يبعده بقدر معصيته فتحصل الوحشة بينه وبين الله -عز وجل-، وبينه وبين عباد الله المؤمنين.