شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ذكريات (8)

الشيخ ياسر برهامي • السيرة والتاريخ

وفي مساء يوم الخميس 24 رمضان كان "جون ماكين" -رئيس الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب الأمريكي- في زيارة التقى فيها بقيادات من كل الاتجاهات، وفوجئت بتصريحات مُخَيِّبَة للآمال بشكل عنيف؛ إذ أعلَن أننا لا بد أن نسمي الأشياء بأسمائها؛ فكما نسمي البَطَّة بَطَّة فلا بد أن نقول عن الانقلاب أنه انقلاب، وأن مصر مقبلة على حمامات دم قريبًا!

ضِقت جدًّا في هذه الأيام وأنا في الاعتكاف وقلت: هو يغازل الإخوان، بل قطعًا يُوَرِّطهم ويَدفعهم إلى الحائط ليصطدموا به صدمة عنيفة فظيعة -ربما مُحَطِّمة-، وهو يوهمهم أن الأمريكان معهم.

دعوتُ الله في اعتكافي بالستر، وأن يجنب الله المسلمين والبلاد شرهم.

وفي صباح يوم الجمعة أرسلت رسالة لزميلنا الدكتور الذي كان قد حضر يوم الثلاثاء وأخبرني أن نتدخل في الحل السياسي؛ لأنهم -أي الإخوان- اقتنعوا بأن عودة الدكتور مرسي والبرلمان والدستور شبه مستحيلة، وأنهم يريدون حلًّا سياسيًّا سلميًّا، فأرسلتُ له رسالة؛ أطلب سرعة الرد على اقتراحنا بتعديل مبادرة الدكتور "العوا" بأن يُقَدِّم الدكتور مرسي استقالته مع تفويض شخصية يتفق عليها جميع الأطراف في صلاحياته، وفي صلاة الجمعة حضر معي صديق طبيب -وهو صديق لهذا الدكتور أيضًا، زميل لنا، لكنه أقرب للسلفية ولا أظن أنه ينتمي للإخوان، أو لا أعرف انتماءه للإخوان- ومعه صديق له من بورسعيد، وطلب الجلوس معي بعد الصلاة؛ وإذا بهم يحاولون إقناعي لتغيير موقفنا لمُوَافَقَة "الإخوان" والذهاب إلى "رابعة"! وأن هذا كفيل بتغيير كافة الموازين!

فتعجبت للغيبوبة في التفكير، والسذاجة في وزن الأمور، وتأكدتُ في نفسي أن الأمريكان والغرب قد أوهَموهم بالتأييد؛ فيحتاجون التأييد الشعبي للدعوة السلفية لحسم الأمر في ظنهم!

وعجبًا فَكَّرُوا، وعجبًا وثقوا في عَدُوٍّ لدود! -فبعد خمس سنوات ونصف من هذا التاريخ قرأت تصريحات لبعض قادة "الإخوان" أن "جون ماكين" خدعهم بالتأييد وألبسهم في الحائط! وهو ما كنت استنبطتُّه من تصريحاته ليلة الجمعة يوم الخميس؛ فقلت للرسولين: أنا في انتظار ردٍّ على مبادرة للحل السياسي مِن قِبَل "الإخوان"، وانصرفا.

وبعد العصر جاءني الرد الصادم المُحبِط من زميلنا الدكتور -بموقف عكس موقفه الثلاثاء 180 درجة- برسالة على "الواتس" نَصُّها: (الكل هنا مجمعون على سقوط الانقلاب وعودة الرئيس وعودة الدستور وعودة البرلمان؛ ونحن في انتظارك هنا على منصة "رابعة" لتعلن تصحيح اجتهادك؛ ونحن نحملك على الأعناق!)، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

أكتفي الآن بهذا القدر مِن الذكريات، وقد مرت ذكرى "رابعة" بسلام، وكنت أخشى مِن تكديرها؛ فكتبت هذه الذكريات لعل شبابنا وشباب الاتجاهات الإسلامية المختلفة يدرِكون حقيقة موقفنا وحقيقة سعينا في ذلك الوقت.

ونحمد الله على سداد القرار في وقت عصيبٍ وفتنة مُدلَهِمَّة، لا زالت آثارها إلى اليوم.

على أن نُسَجِّل باقي الذكريات في كتابٍ -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة