صفات عباد الرحمن (4) قيام الليل
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- بل كان لا يدعه حضرًا ولا سفرًا، ولا صحة ولا مرضًا: عن عبد الله بن قيس، قال: قالت لي عائشة -رضي الله عنها-: "لَا تَدَعْ قِيَامَ اللَّيْلِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ لَا يَدَعُهُ، وَكَانَ إِذَا مَرِضَ، أَوْ كَسِلَ، صَلَّى قَاعِدًا" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وعن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلاَةَ اللَّيْلِ، إِلَّا الفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ " (متفق عليه) .
(3) من قيام السلف -رضى الله عنه-:
- أدركوا فضل القيام بالأسحار، فكانوا يحرصون عليه باستمرار: قال معاوية بن خديج: قال لي عمر -رضي الله عنه-: "لَئِنْ نِمْتُ النَّهَارَ لأُضَيِّعَنَّ الرَّعِيَّةَ وَلَئِنْ نِمْتُ اللَّيْلَ لأُضَيِّعَنَّ نَفْسِي، فَكَيْفَ بِالنَّوْمِ مَعَ هَذَيْنِ يَا مُعَاوِيَةُ" (الزهد لأحمد بن حنبل) ، وعن عبد الله بن أبي مليكة قال: "صحبت ابن عباس من مكة إلى المَدِيْنَةِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ قَامَ شَطْرَ اللَّيْلِ" (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) ، وعن طارق بن شهاب قال: أتيت سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قلت: "لأنظرن كيف صلاته؟ فكان ينام من الليل ثلثه" (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) .
- بل يحتفلون بالنصر والفتح بقيام الليل فتفتح قلوب العباد لهم: ففي قصة إسلام هند بنت عتبة صبيحة فتح مكة، قالت: "فأتيت ابا سفيان، فقالت: انما اريد أن اتبع محمداً. فقال: قد رأيتك تكرهين هذا الحديث أمس. قالت: إني واللَّه ما رأيت أن عُبِدَ اللَّه حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، واللَّه إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا" (حياة الصحابة) .
(4) لماذا ثقل علينا قيام الليل؟
والأسباب كثيرة، وهي تتضمن أسبابًا مادية، وأسبابًا معنوية، ولكن مراعاة لعدم الإطالة وقفنا على أبرزها.
- كثرة الذنوب والمعاصي: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الحافظ ابن حجر) ، وقال رجل للحسن البصري: "يا أبا سعيد؛ إنِّي أَبيتُ معافى، وأحبُّ قيامَ الليل، وأُعدُّ طهوري؛ فما لي لا أقوم؟ فقال: ذنوبُك قَيَّدَتْك".
- كثرة السهر بلا فائدة: عن أبي برزة -رضي الله عنه- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ العِشَاءِ، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا" (متفق عليه) ، وكان عمر -رضي الله عنه- يضرب الناس بالدرة بعد العشاء، ويقول: "أسمر أول الليل ونوم آخره؟!" (رواه ابن أبي شيبة في مصنفه) .
- كثرة الطعام قبل النوم: قال بعض الصالحين: "لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا، فترقدوا كثيرًا، فتندموا عند الموت كثيرًا".
(5) أسباب معينة على قيام الليل:
وهي كذلك كثيرة، ومنها: أسباب مادية وأسباب معنوية، ولكننا مراعاة لعدم الإطالة نقف على أبرزها:
- استحضار فضل قيام الليل وجزاء ذلك عند الله: قال -تعالى-: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (السجدة:16-17) .
- النوم على نية القيام: قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ) (التوبة:46) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) .
- النوم متوضأ على الجنب الأيمن: عن البراء -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِذَا أَتَيتَ مَضْجَعَكَ فَتَوضَّأْ وضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلى شِقِّكَ الأَيمَنِ... ) (متفق عليه) .
- مجاهدة النفس المجبولة على حب الراحة وعدم الاستسلام: قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ? وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت:69) ، وقال ثابت البناني: "كابدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، وتلذذت به عشرين سنة" (سير أعلام النبلاء للذهبي) .
- استشعار أن الله يرى ويسمع صلاتك بالليل ويباهى بك ملائكته: قال -تعالى-: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (الشعراء:217-220) ، وعن عبد الله بن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ، مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّهِ إلى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إلى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إلى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي... ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
خاتمة:
- في زمان الفتن والآلام تصبر بالقيام: قال محمد بن المنكدر -رحمه الله-: "ما بقي مِن لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في الجماعة" (إحياء علوم الدين للغزالي) .
فاللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.
- تنبيه: للتوسع في الفوائد والاستزادة، انظر: (كيف تتحمس لقيام الليل، لمحمد بن صالح آل عبد الله - رهبان الليل، لسيد العفاني).