شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

6- اللهم أنت ربي وأنا عبدك

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

وهذا الأمر من فوائد الاعتكاف حين تبعد عن الأهل فيحصل نوع من الألم يورث انكسارا، كما ورد عن قوم يونس - عليه السلام- أنهم ندموا عندما فارقهم يونس، فجأروا إلى الله عز وجل بالدعاء وفرقوا بين الوالدة وولدها، لأن الشعور بالألم والحاجة والمحنة والشعور بالغربة، تورث الإنسان فقرا وذلا لله عز وجل ليس له نظير، فقد نقول في بعض الأحيان أن من نعم الله العظيمة ما يقع للمسلمين من آلام ومحن، لأنها تفتح أبواب تضرع عظيم جدا وشعور بالانكسار وشعور بالذل والحاجة والافتقار إلى الله، وليس لهذه الأبواب بديل وليس لها نظير، فيستشعر الإنسان آلام المسلمين ومحنهم ويتضرع لله عز وجل أن يفرج ذلك الأمر، (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا) (الأنعام:43).

ابحث عن نوع الألم الذي في حياتك واستحضره واستحضر أنه لا يكشفه إلا الله: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا) (الإسراء:56)، ولا يوجد بشر إلا وعنده ضر وعنده ألم، ولكن كثيرا من الناس يتعاطى مُسكرا فينسى ذلك وهو عنده آلام مستكنة لكنه يحاول أن يغطيها، أما المؤمن لا يحاول تغطيتها بل يحاول أن يدفعها بالله عز وجل، ويستحضرها لينكسر لله سبحانه وتعالى.

رابعا: ذل الحب المتضمن في معنى الإله، فهو المحبوب لذاته، الذي يذل له العبد، فالحب أصلا يجلب الذل، تلقى الحبيب يمشي وراء محبوبه ذليل ا له، لأنه لا يقدر على الاستغناء عنه، فالحب نوع آخر من الذل، مع أنه في الدنيا لو أحب الإنسان أحد ً ا ف من الممكن أن يستغني عنه ، فهذا الحب لله عز وجل يجلب نوعا خاصا من الحب لأنه لا يُحب لذاته إلا الله فالحب يؤدي إلى الذل ، والذل يؤدي إلى الحب ويزيد كل منهما في الآخر فيظل العبد في ارتفاع وسمو.

يبقى ذل آخر: وهو ذل الذنب وانكساره وشعور العبد بظلمه لنفسه، ثم إقراره واعترافه بقلبه ولسانه أنه قد أذنب وشعوره بأنه لا ينجيه ولا يخلصه من ذنبه ولا يغفره له إلا الله، فيتوسل إليه بهذا الذل، فيقول : " ظلمت نفسي ، واعترفت بذنبي ، فاغفر لي ذنوبي جميعا ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت "، فيحصل له بذلك نوع خاص من العبودية، لا يشبهه شيء آخر ، و من أجل هذا الذل قدر الله الذنوب على عباده المؤمنين وأوليائه المتقين بل على أنبيائه المرسلين ، وإن كانت ذنوبهم تختلف عن ذنوبنا، إلا أن النوع البشري قدر الله عليه هذه الذنوب لتتحقق أنواع من العبودية لا يوجد لها نظير، يرتفعون بها فوق منزلة الملائكة في نهاية الأمر، رغم أن الملائكة لا يعصون الله: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) ( البينة: 7)، لذلك وقع ما سُمي ذنوبا في حق الأنبياء، والرسول - صلى الله عليه وسلم- هو الذي يقول (ظلمت نفسي ، واعترفت بذنبي ، فاغفر لي ذنوبي جميعا ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) فهذا ذل الذنب وانكساره.

ثم نتذكر أن هذه الكلمة (ظلمت نفسي واعترفت بذنبي) كان بها نجاة الأبوين وتوبة الله عليهما (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) (الأعراف:23 )، فالإنسان إذا ظلم واعترف بذنبه كأنه لم يظلم، ف التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فشعور الإنسان أنه ظلم واعترف بذنبه يرفعه مقامات عالية، كما ذكرنا لا يصل إليها بغير هذا النوع من العبودية وهذه الكلمة " إني كنت من الظالمين " مع كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " هما كلمة النجاة من كل غم لكل مؤمن، كدعوة يونس - عليه السلام- (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) (الأنبياء87-88 ).

ففوائد عظيمة جدا تتحقق بأن يقول العبد (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي ، فاغفر لي ذنوبي جميعـا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) ، فهذا الاستفتاح ي فتح الطريق إلى القلب ل لدخول إلى الصلاة ، لأن الإنسان قد يدخل قلبه في الصلاة بعد دخوله فيها بمدة طويلة جدا ، وقد لا يدخل قلبه في الصلاة أصلا، ولكن أدعية الاستفتاح إذا استحضرها العبد أعانه الله بها إعانة عظيمة جدا، خصوصا هذه الأدعية المعجزة، و أقسم ب الله العظيم أنها معجزة ظاهرة جدًا ، لأنه لا يمكن أن يكون هناك قلب بشر تكتمل فيه هذه المعاني بهذا الوضوح لمن تأملها، ولا يمكن أن تكون في كلام بشر آخر وإنما أوتي جوامع الكَلِم - صلى الله عليه وسلم-. والحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة