بناء الأمم وبقاؤها
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
وبَيَّن -سُبْحَانَهُ- أن الظلم سبب للدمار مهما كان الملك موطَّدًا وذا أوتادٍ، فقال -تعالى-: ( نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (القصص:3-6) ؛ فقهر العباد وظلمهم واستعبادهم سبب انهيار الممالك الظالمة.
والمسلمون إنما أرادوا فتح البلاد لسعادة أهلها في الدنيا والآخرة بدخولهم في الإسلام، ولم يكن الفتح استعبادًا للناس وقهرًا لهم، بل أزالوا ممالك الظلم والعدوان والقهر، ورَبَّوا الشعوب على الدين، وصار أئمة المسلمين مِن الموالي الذين سُبُوا صغارًا فرَبَّاهم الصحابة -رضي الله عنهم- كأبنائهم، كعكرمة مولى ابن عباس -عَلَّمَه ابنُ عباس وهو عنده صغير-، وسعيد بن جبير كان مولى، وكذلك الحسن البصري مولى، ونافع مولى ابن عمر -رضي الله عنهما- مُقَدَّم في الرواية عن ابنه سالم، وهو شيخ الإمام مالك؛ فدَلَّ على أنه كان يُرَبِّيه كابنه تمامًا، وأمثال هذا كثير جدًّا يصعب إحصاؤه.
والأَثَرة مِن أسباب زوال المُلك، وإن كان الطريق إلى إزالتها ليس بالحرب الداخلية؛ فإنها تؤدي إلى أعظم المفاسد شرعًا، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للأنصار: ( إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: ( تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ) (رواه البخاري) ، فأَمَرَهم بالصبر على استئثار بني أمية بالمال والسلطة رغم استحقاق الأنصار والمهاجرين قبلهم، ولما حاول البعض مقاومة ذلك بالقوة والثورة المسلحة وقعت المجازر الفظيعة: كقتل الحسين -رضي الله عنه-، ووقعة الحرة واستباحة المدينة، وعشرات الألوف الذين قَتَلَهم الحجاج بن يوسف المُبِير الذي أخبر عنه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بقوله: ( إِنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا، وَمُبِيرًا ) (رواه مسلم) .
وقاوم بنو أُمَيَّة الإصلاح الداخلي الذي حاوله عمر بن عبد العزيز، مع أن الأمة عاشت في زمنه سنتين أسعد سنينها عبر التاريخ، وصارت خلافته خلافة راشدة، ثم عاد المُلك العَاضُّ بعد وفاته، ولكن سَلَّط الله على بني أمية بني العباس، على نفس شاكلتهم من الظلم والأَثَرة؛ فسَامُوهُم سوء العذاب، وأشد أنواع الاضطهاد في الممالك كلها، ويَذكر ابن كثير أن أبا مسلم الخراساني قَتَل في تشييد ملك بني العباس ستمائة ألف نفس، ثم كانت عاقبته أن قُتِل شر قتلةٍ على يد بني العباس؛ فسبحان الله! الجزاء مِن جنس العمل.
والترَف مُقَدِّمة الهلاك؛ ذكر ابن كثير أيضًا: أن أبا جعفر المنصور بنى قصرًا في بغداد سماه: "قصر الخُلْد"، فلما أن اكتمل واستعد للانتقال إليه مات!
فالعدل هو وضع الشيء في موضعه وفق شرع الله؛ به تبنى الأمم، وبه تبقى، وحسن توزيع الثروة والتكافل بين الأغنياء والفقراء، وترك الترف، سبب تماسك المجتمع وبقاء الدولة، وكثرة الطاعات وقلة المعاصي، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، به بناء الأمم، وبه تُبنى وبه تبقى، وعكس ذلك سبب الدمار والخراب، قال -تعالى-: ( فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ) (هود:116) ، فإنما ينجو مَن قام بالنهي عن الفساد في الأرض كما دَلَّت عليه الآية.
وقال -تعالى- في قصة أصحاب السبت: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) (الأعراف:165-166) ؛ فهلا حافظنا على أسباب بقاء أمتنا!
اللهم نجِّ المسلمين في كل مكان.