شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أقسام الناس في التوبة

الشيخ أحمد فريد • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالتوبة هي الرجوع إلى الله -عز وجل-، وسلوك الصراط المستقيم الموصل إلى جنته، وترك صراط المغضوب عليهم والضالين الموصل إلى عذابه، والله -عز وجل- أمر الناس جميعًا بالتوبة، فقال: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ) (النور:31) ، وعلق الله -عز وجل- الفلاح بالتوبة فقال: ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (النور:31) ، وأخبر عن الذين لا يدخلون من باب التوبة بأنهم ظالمون، فقال -عز وجل-: ( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (الحجرات:11) .

قال بعض السلف: "مَن لم يتب كل صباح ومساء كان من الظالمين، قال الله -عز وجل-: ( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )"، وأخبر -عز وجل- عن توبته على النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، فقال -عز وجل-: ( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:117) .

الناس في التوبة على أقسام:

القسم الأول: مَن لا يوفق لتوبة طوال عمره، ولا يوفق للحظة صدق واحدة مع الله -عز وجل- ومع نفسه، فهو لا يفكر لماذا خلق؟ وما هي الوظيفة المنوطة به؟ فهو يحيا حياته كلها لا يعرف ربه -عز وجل-، ولا يعبده بأمره ونهيه، وإنما يحيا في الدنيا حياة البهائم، كما قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ) (محمد:12) ، فهو يأكل ليعيش ويعيش ليأكل، لا يعرف الوظيفة التي خلق من أجلها، ولا يعرف الغاية التي ينبغي عليه أن يسعى لها؛ لم يقف في حياته يومًا في صفوف المصلين يقول: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) (الفاتحة:5) ، لعله لم يدخل المسجد إلا مرة واحدة، ولا يدخله على قدميه، بل محمولًا على خشبته، ولا يدخل من أجل أن يصلي، بل من أجل أن يصلى عليه! فهل ينفعه هذا الدخول؟! إنه لم يدخل بإرادته واختياره، بل بإرادة مشيعيه واختيارهم، لما كان سعيد ابن المسيب سيد التابعين وأعلم التابعين في سياق الموت، كان يغيب عن وعيه ويفيق، فلما غاب عن وعيه، قال نافع بن جبير: "وجهوه إلى القبلة، فلما أفاق سعيد قال: مَن الذي أمركم أن توجهوني أنافع بن جبير؟ قالوا: نعم: قال: والله لو لم تكن وجهتي إلى القبلة، لا ينفعني توجهيكم".

والجزاء من جنس العمل، فكما كان في الدنيا لا يحيا الحياة التي يحبها الله -عز وجل- له ويرضاها له، وهو كذلك ليس جمادًا لا يحس، فهو أيضًا في الآخرة لا يموت فيها ولا يحيا؛ لا يموت فيفقد الإحساس بالألم، ولا يحيا حياة يجد فيها راحته وسعادته، ( وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ) (إبراهيم:17) ، أي: يأتيه الهلاك والعطب، والبوار والدمار من كل مكان، ولكنه لا يموت؛ لأنه في دار القرار: ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ) (الزخرف:77) ، وحسب المنايا أن يصرن أمانيا، أي: حسب العبد مِن البلايا والرزايا، أن يكون الموت أمنيته، قال بعض السلف: "احذر الموت وأنت في هذه الدار، قبل أن تصل إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده!".

فهذا هو القسم الأول من أقسام الناس في التوبة، فهو الذي لم يوفق إلى لحظة صدق واحدة مع ربه -عز وجل- ومع نفسه، وهذا حال كثير من الناس -نسأل الله العافية-.

القسم الثاني: مَن يعرف ربه -عز وجل- برهة من عمره، وزمانًا من دهره، ثم ينقلب لعلم الله -عز وجل- فيه، فيعمل بمعصية الله -عز وجل- ويموت على ذلك، ما أصعب العمى بعد البصيرة، والضلالة بعد الهدى والمعصية بعد التقى، كم من وجوه خاشعة عاملة ناصبة، كم مِن قارب مركبه ساحل النجاة فلما هم أن يرتقي لعب به الموج فغرق، كل العباد تحت هذا الخطر، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء.

ليس العجب ممَن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا!

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا... ) (متفق عليه) .

وفي بعض روايات الحديث: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ... ) (متفق عليه) ، فقال العلماء: الرجل يعمل بعمل أهل الجنة في الظاهر، ولكن عنده رياء أو عجب أو كبر يظهر عليه في آخر عمره، فيختم له بعمل من أعمال أهل النار -والعياذ بالله-.

وقال الإمام النووي -رحمه الله-: "وهذا -بحمد الله- قليل في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، والكثير فيهم مَن يعمل بعمل أهل النار، ثم يوفق لتوبة نصوح، فيعمل بطاعة الله -عز وجل- ويموت على ذلك، كمن يموت في آخر يوم من رمضان أو بعد الانتهاء من الحج، أو وهو ساجد لله -عز وجل-، وقد كان قبل ذلك معرضًا عن الله -عز وجل- والله -سبحانه وتعالى- سبقت رحمته غضبه".

القسم الثالث: وهو مَن يعمل بمعصية الله -عز وجل- زمانًا من عمره ثم يوفق لتوبة نصوح ويموت على ذلك، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا ) (متفق عليه) .

وهؤلاء على طبقتين: منهم مَن يتوب قبل موته بمدة مديدة تؤهله للوصول إلى الدرجات، ومنهم مَن يتوب قبل موته بمدة يسيرة؛ فحسبه أن ينجو من اللفحات، وأن يفوز بالجنات.

بقي قسم هو أشرف الأقسام، وحال هي أشرف الأحوال، وهي: حال نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهو القسم الرابع.

الصفحة التالية