مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (2)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
ولقد أَمَر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الوالدين بتعويد الأولاد -ذكورًا وإناثًا- على الصلاة قبل البلوغ، فقال: ( مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وقال الألباني: حسن صحيح) ؛ فيجب على الوالدين كل يوم خمس مرات "ابتداءً من الفجر في وقتها" أمر الأولاد بالصلاة في وقتها وبشروطها وأركانها؛ وهذا يستلزم تعليمهم ذلك من الطهارة وستر العورات وغيرها، وهذا وإن لم يكن الطفل مُكَلَّفًا إلا أن الوالدين مُكَلَّفان، وهما يأثمان بترك الأولاد هملًا في هذا الأمر، ولا شك أن الصبي والصبية إذا أُمِروا ثلاث سنين -دون عقوبة- بأداء الصلاة على وقتها من سن 7 سنين هجرية يوميًّا 5 مرات إلى سن 10 سنين -وقد يحتاج الأمر في السَّنَة الواحدة لعدة مرات حتى يؤديها الطفل-؛ لا شك أن هذا يغرس فيه حُبَّ الصلاة والتعود عليها؛ فإذا بلغ الصبي والصبية 10 سنين هجرية فكل صلاة يتركها يجب على الوالدين ضربه عليها.
ولا يَظُنَّن ظانٌّ أن ذلك فيه قسوة على الطفل أو عنف غير مبرر؛ فأرحم الراحمين هو الذي شرع ذلك على لسان الرؤوف الرحيم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهل لو ترك الوالدان أولادهما هملًا في باب الدراسة وحضور المدارس وأداء الواجبات -لأن الاطفال يؤثرون اللعب واللهو- تكون هذه شفقة ورحمة -حتى إذا وصلوا إلى سن البلوغ جاهلين لاهين لاعبين يُصَاحِبون المجرمين بكى الوالدان على ضياعهم-؟!
ولا شك أن الصلاة في ذلك أوجَب وأحصَن للطفل والطفلة عن الانحراف في مجال الفساد التي مظاهر القسوة من ملامحها.
ولقد سألتُ مرةً عددًا مَارًّا بباب المسجد بعد شروق الشمس من طلاب المرحلة الإعدادية وأواخر الابتدائية ذاهبين إلى مدرستهم -وكانوا نحو العشرين-: مَن فيكم صلى الفجر؟ فلم يكن هناك إلا طالبٌ واحدٌ أو طالبان -إن كانا قد صَدَقَا-!
وسألتُ مُدَرِّسين وطُلَّابًا عن عدد مَن يُصَلِّي في الفصل الذي يُدَرِّس فيه أو يَدرس فيه فأكثرهم لا يَعرف؛ لأنه لا يَسأل ولا يَهتم! ومَن أجابني كانت النسبة مُفزِعة في الضعف (حوالي 2% أو 4%!)، وأعلى نسبة كانت 25% في مدرسة ثانوية أزهرية -أعني قد أوشك طلابها على تحمل مسئولية الدعوة إلى الله عَزَّ وَجَلَّ رسميًّا!-؛ إلا أن مُدَرِّسًا واحدًا فاضِلًا في مدرسة أزهرية قال لي: جميع الأولاد يصلون؛ ثم استطرَد: لأني كل حصة أُكَلِّمهم عن الصلاة، وهل أَدَّيتم الصلاة أم لا، وآخذهم في الفسحة للصلاة -بارك الله فيه-؛ وهذا يدلنا على أهمية دور المدرس الإيجابي أو السلبي في هذه القضية؛ فأصل التربية: التربية الإيمانية، والتربية العِبَادِيَّة، والتربية السلوكية، والتربية الأخلاقية، كما دلت على ذلك وصية لقمان لابنه وهو يعظه كما بَيَّنَها القرآن؛ فلن تنفعنا الشكوى مما نحن فيه من مظاهر القسوة، ونحن قد أهملنا تربية أجيالنا على أهم سببٍ لِلِين القلب من ذكر الله وإقامة الصلاة.
وعلى الإخوة المُصَلِّين في طريقهم إلى المسجد أن يَحُثُّوا الشباب الواقفين على نواصي الشوارع على الذهاب إلى المسجد لأداء الصلاة في جماعة؛ فإن ذلك من أعظم أسباب الهداية، ولا بد أن نهتم -في الدعوة الفردية، وفي قوافل الدعوة، وفي خطب الجمعة، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي المقاطع التي ننشرها- بالتنبيه على أهمية أداء الصلاة في وقتها؛ لأنها سبب لمراقبة الله عَزَّ وَجَلَّ أعظم سببٍ، وسبب لمنع القسوة في علاقتنا بِرَبِّنا؛ والذي يُثمر منع القسوة في معاملاتنا مع الناس.
والله المستعان.