شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في حياتنا أسباب وعلاج (5)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

ثم جَرَّدُوه مِن قميصه ليَكذِبوا على أبيه، وتركوه بلا قميصٍ في البئر المظلم، ورجعوا إلى أبيهم عشاءً وتركوه في الليل وحيدا؛ فتخيَّل الطفلَ الصغير في غَيَابَة الجُبِّ وحده في صحراءٍ ليس فيها أحد، وقد أتى عليه الليل المظلم بلا مصابيح، ولا أنيس، ولا أحد؛ كل هذه القسوة بلا ذنبٍ منه إلا توهمهم ضلال أبيهم بحُبِّه الذي لا يملك مع جمال الخَلْق والخُلُق والصفات الرائعة إلا حب يوسف -عليه السلام-، وإذا كنا نحن لا نملك على بُعد الزمان والمكان والغياب وعدم الرؤية ولا الصحبة إلا حبه كذلك؛ فكيف بوالده الذي يراه وهو بضعة منه؟! وما رَوَّج لهذه القسوة الفظيعة منهم -بل والحسد والغل الذي مَلَأَ قلوبَهم- إلا صحبتهم السيئة لبعضهم، حتى آل أمرهم إلى بيعه رقيقًا بدراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين.

ولو تأملنا ما وقع في التاريخ من الاضطهاد والتعذيب الذي تَعَرَّضَ له أتباع المسيح -عَلَيْهِ السَّلَامُ- الأوائل بصرفهم عن عقيدة التوحيد وتصديق الرسول إلى الوثنية الجاهلة، ثم ما جرى في محاكم التفتيش في الأندلس للمسلمين على أيدي الفرنجة من صور التعذيب والقتل التي تشيب لها الولدان، والتي صارت أسوة سيئة لأهل زماننا في اختراع أدوات التعذيب الذي لا يتحمل الانسان مشاهدته لو كانت فطرته سوية؛ لَعَلِمنا أثر الصحبة السيئة التي أدَّت إلى قبول هذه الممارسات بالتقليد الأعمى، والتعاون على الإجرام، والإثم والعدوان.

ولو تأملتَ مجتمعك... ما الذي ينشر العادات القبيحة فيه بين الشباب الغض: كالتدخين، وإدمان الخمر والمخدرات، والنظر إلى المواقع الإباحية وإدمانها، وتكوين عصابات الخطف والسرقة بالإكراه والاغتصاب والشذوذ، مع التعذيب والقتل بأبشع الصور؟! لوجدتَ أن الصحبة السيئة هي التي تُزَيِّن -لِجَهل الشباب- التفاخر بالإجرام، وتكوين العصابات والشِّلَل التي تَغَيَّرَت فيها القيم والموازين إلى استحسان الجريمة، والقسوة والعدوان!

وما عصابات "المافيا" في العالَم -التي صارت دُوَلًا داخل الدُّوَل- إلا أمثلة من أثر هذه الصحبة السيئة على انتشار مظاهر القسوة ومُبَاشَرَتها والتعاون عليها، وزاد الأمر سوءًا وسائل التواصل الاجتماعي التي سَهَّلَت التواصل بين هذه الجماعات المنحرفة، والشِّلَل والعصابات الإجرامية.

ويتمثل العلاج في امتثال أمر الله ورسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بترك الصحبة السيئة ومُلَازَمَة الصحبة الصالحة، قال -تعالى-: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ) (الفرقان:27-29) ، وقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً ) (متفق عليه) .

ولا بد أن نهتم بأصدقاء أولادنا -ذكورًا وإناثًا، شبابًا وبنات- مِن أجل النظر في صحبتهم، وتشجيعهم على الصحبة الصالحة، والبعد عن الصحبة السيئة، وعدم ترك الأمور حتى تتفاقم لتدمير الأخلاق بسبب هذه الصحبة السيئة.

والله المستعان.

الصفحة السابقة