تسييس التاريخ وحرب الدراما (الدولة العثمانية أنموذجًا)
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
ومِن الجدير بالذكر: أن القوة الأوروبية كانت تنظر إلى القوة العثمانية على أنها قوة إسلامية، وليس قوة تركية، ومِن مآثر الدولة العثمانية: أن اليهود لم يستطيعوا أن يقيموا لهم موطنًا في المنطقة العربية، ولقد حاول اليهود بشتى السبل على أن يحصلوا على موطن لهم، ولكنهم فشلوا رغم العروض الخيالية المذهلة التي قدَّموها للسلطان "عبد الحميد الثاني"؛ لنيل موافقته على قطعة أرض لهم في فلسطين.
وكان رده عليهم: "إن أرض فلسطين ليست ملكي، إنما هي ملك الأمة الإسلامية، وهذه الأرض امتلكها المسلمون بدمائهم، وهي لا تباع إلا بنفس الثمن!".
ومِن مآثر الدولة العثمانية أيضًا: محاربتها للدولة الرافضية الشيعية المتمثلة في الدولة الصفوية، وهذا ساعد بلا شك على إضعاف النفوذ الشيعي، وكذلك اهتمت الدولة العثمانية ببناء المدارس والمساجد، واهتمت بالمقدسات الإسلامية؛ لاسيما الحرمين الشريفين، وتم إنشاء خط سكة حديد يصل إلى أرض الحجاز ليحدث التكامل بين أبناء القطر الإسلامي، وقامت بحماية حجاج بيت الله الحرام، وأمَّنت لهم الطرق، وذللت لهم العقبات.
والغرض المقصود: أن الدولة العثمانية هي دولة لها مآثر وإنجازات لا ينكرها منصف.
وعلى الجانب الآخر: كان للدولة العثمانية سلبيات كثيرة، فلقد اعتراها خلل ونقص وقصور في كثيرٍ مِن الجوانب.
ومن الصفحات المظلمة في التاريخ العثماني: تجييش الجيوش لقتال الدعوة السلفية الناشئة في الحجاز، وقد طلبت الدولة من محمد علي باشا مهاجمة الدعوة الجديدة وقتالها، وتتابع هذا الطلب من سنة: "1222 - 1225هـ"، فلم يستجب لهم في بادئ الأمر، ثم استجاب لهم ليحقق مأربه في وأد "اليقظة" التي كادت تعم جزيرة العرب، وأمدوه بالسلاح الذي يعينه على خوض الحرب، وذلك في سنة 1226هـ / 1811م -أي: بعد ولايته على مصر بست سنوات-.
وقد كلف السلطان العثماني محمود الثاني محمد علي باشا والي مصر بمهاجمة الدولة والقضاء عليها؛ فشن محمد علي حربًا لا هوادة فيها ضد الدعوة، وجهَّز الحملة تلو الحملة للقضاء عليها، وقد استعان بالجنود المرتزقة من الأرناؤوط، والجركس، والأرمن، والترك، والبدو.
وفي النهاية تم لمحمد علي ما أراد بعد أن ارتكب الفظائع، واستباح الديار والأموال والنساء، وهدم المدن، وكانت حربًا طاحنة لا معنى لها ولا قيمة، ولا ينتفع بها إلا مؤججوها من "دعاة المسيحية الشمالية"، واستطاع محمد علي باشا استرداد الحجاز بما فيها مكة والمدينة والحرمين الشريفين، ثم زحفت قواته بقيادة ابنه إبراهيم باشا على الدرعية عاصمة نجد، وتم تسويتها بالأرض، وذلك في ذي القعدة 1233هـ / سبتمبر 1818م، وبهذا تمكن محمد علي باشا من إجهاض مشروع الدولة الإصلاحية.
ومِن المآخذ على الدولة العثمانية أيضًا: إهمال اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم، ثم انتشار الطرق الصوفية، ومظاهر الشرك والعقائد الفاسدة، والبدع والخرافات، وتضيع مفهوم الولاء والبراء، وانتشار الظلم في بعض الأزمنة، وانحراف بعض السلاطين عن الشرع الحنيف، والابتعاد عن قوانين الشريعة في بعض الأحيان، وانغماس بعض السلاطين في اللهو والترف والشهوات، ثم الحكم الوِرَاثِيّ والذي ترتب عليه: أن بعض السلاطين قد جلسوا على كرسي العرش وهم في مرحلة الطفولة، فلقد جلس السلطان محمد الرابع على عرش الدولة وهو في السابعة من عمره (أي: بعد فطامه بخمس سنوات!).
ومِن أنواع الفساد الذي انتشر أيضًا: وراثة المناصب العلمية: كالتدريس، والفتوى، والقضاء، فإذا مات القاضي يتولى ابنه من بعده، وهكذا! ثم فساد أجهزة الدولة، وانتشار الرِّشوة، وقد عم الفساد الحياة السياسيَّة والعقائديَّة والفكريَّة.
وأخيرًا أقول: إن جهود اليهود والنصارى والغرب، وجميع أعداء الإسلام ما كانت لتؤثِّر في الدولة العثمانية إلا بعد أن انحرفت عن شرع الله، وفقدت شروط التمكين، حيث كان المرجو والمعقول بعد إنجازاتها أن تستمر على قوتها لولا انحرافها، وبهذا يتبيَّن أن الدولة العثمانية لها جانب تاريخي مشرق، وآخر مظلم، وهذا ما تفتقده الدراما الفنية المستخدمة الآن في الصراع السياسي، والذي مِن أجله يصيغون التاريخ ويسيسونه حسب أهوائهم!
وفي النهاية أقول: أنه يجب على القوى المتصارعة مهما عظمت بينها ضراوة الصراع؛ ألا تجعل مِن التاريخ سلاحًا يقبل التطوير.
فمتى يصل هؤلاء إلى مرحلة الرشد الثقافي والسياسي؟!