شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (6) الظلم المجتمعي والتفاوت الطبقي

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

ثم كانت هزيمة 67 المدوية، وكسر جبروت النظام فيها مؤكدة في حِسِّهم أنه انتقام الله للمظلومين، مع أن الضرر الذي حدث فيها كان مصيبة للأمة كلها، وهل احتلال المسجد الأقصى مِن قِبَل اليهود فيها إلا مصيبة كبرى بالمسلمين جميعًا مِن أعظم مصائب التاريخ، وكذا احتلال كل فلسطين، وشبه جزيرة سيناء، والجولان، والضفة وغزة، مما نعاني من آثاره إلى اليوم.

ووالله إن الله لا يُدِيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، وإن الله يُبقي مدة من الزمن الدولة الكافرة إذا كانت أبعد مِن ظلم الملوك كما علل به عمرو بن العاص بقاء الروم إلى آخر الزمان كما في صحيح مسلم عن المستورد -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: سمعت رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: ( تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ )، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ؛ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ ).

ووالله إن سُكْرَ القوة والسلطة الذي يأخذ الطبقة القوية في المجتمع فتَبغي على الناس، وتظلمهم ويُملي الله للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته هذا السُّكْر يؤدي إلى إشعال النار تحت الرماد تنتظر لحظةً للانتشار والامتداد؛ وهل الخراب الذي حصل في ليبيا وسوريا إلا مثالًا على ذلك؟! بسبب الظلم الفظيع الذي وُجد قبل الثورات، ولقد كاد أن يُودِي الظلم والفساد الذي كان في عهد مبارك بالبلاد -بلاد مصر-؛ لولا فضل الله علينا بأن نجانا مِن الفوضى المدمرة، وإن كانت سُنَّة الله لا تبديل لها فيمن جرى على سنن السابقين، حدثت لهم عواقبهم ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) (هود:102) ؛ فمَن غَرَّته قوته سَلَّط الله عليه مَن هو أعنف وأقسى.

ويتمثل العلاج في: منع الظلم ورفعه، وإقامة العدل وسرعة إنفاذه -فإن العدل البطيء ظلم سريع-، ومنع منح الصلاحيات الواسعة التي تتجاوز الشرع ثم الدستور -الذي هو العَقد الاجتماعي بين الناس، والذي يجب الوفاء به- والقانون، الذي يَحفظ للناس كرامتهم وإنسانيتهم؛ هو مما يوافق الشرع، فيجب احترامه.

ولا يجوز بحالٍ اضطهاد طائفة من المجتمع دون جُرم يرتكبه أفرادها لمجرد الشكل والهيئة، وإذا كان عَلِيّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قد قال للخوارج بعد أن نَاظَرَهم هو وابن عباس حبر الأمة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- على ما أظهروه من بدعة التكفير: "لكم علينا ثلاث: أن لا نمنعكم مساجدنا، وأن لا نمنعكم الفيء ما قاتَلتم معنا، وأن لا نقاتلكم ما لم تسفكوا دمًا حرامًا"، ولم يُقاتلهم بالفعل حتى سفكوا الدم الحرام وقَتلوا عبد الله بن خباب؛ فأرسل إليهم أن أفيدونا بقاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله! فهنا عزم على قتالهم، ولم يَختلف في قتالهم أحد.

فالواجب أن لا يُؤخذ إنسان بجُرم غيره، ولا تُحاسَب طائفة على ظلم بعض أفرادها؛ إلا إذا عاونتهم الطائفة ومنعتهم مِن وصول يد العدل إليهم كما فعل الخوارج.

وأما الظلم بمجرد الشبهة، والاضطهاد بمجرد الظن، والإقصاء والتهميش والإذلال بمجرد الهيئة؛ فإنه نذير سخط من الله، وانتشار للقسوة التي لا تُبقي ولا تذر.

وأما التفاوت الطَبَقي فنتناوله في المقال القادم -إن شاء الله تعالى-.

اللهم احفظ بلادنا آمنة مطمئنة رخاءً، وسائر بلاد المسلمين.

الصفحة السابقة