صفات عبد الرحمن (12) المسارعة في الاستجابة
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- يتركون الحمية والغضب لأنفسهم إذا ذُكروا بآيات الرحمن: عن الحسن: "أنَّ مَعقِلَ بنَ يَسارٍ كانت أختُه تحتَ رَجُلٍ فطَلَّقَها، ثمَّ خَلَّى عنها حتى انقَضَت عِدَّتُها، ثمَّ خَطَبَها، فحَمِيَ مَعقِلٌ مِن ذلك أنَفًا، فقال: خلَّى عنها وهو يَقدِرُ عليها، ثمَّ يَخطُبُها! فحال بينه وبينها، فأنزل الله: ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:232) ، فدعاه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فقرَأَ عليه، فتَرَك الحَمِيَّةَ واستقاد لأمرِ الله" (رواه البخاري) .
7- الاستجابة في ترك شهواتهم وملذاتهم:
- مع شدة الفقر والجوع، والتعب والمشقة في الحرب، يمتنعون عن الطعام لما ذكروا بالتحريم: عن عبد الله بن أبي أوفى قال: "أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا الْقُدُورُ، نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَنِ اكْفَئُوا الْقُدُورَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا" (متفق عليه) .
8- الاستجابة عند اختلافهم:
- يتركون حقوقهم على بعض، إذا ذكروا بفضل ذلك تعظيمًا لأمر الله ورسوله: عن كعب بن مالك -رضي الله عنه- أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِى حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- في الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ في بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ: ( يَا كَعْبُ ). فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( قُمْ فَاقْضِهِ ) (متفق عليه) .
9- الاستجابة في بذل النفوس جهادًا في سبيل الله:
- مشاهدهم لا تحصى، ولكن أعجب من ذلك ما كان منهم يوم حمراء الأسد: عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لعروة بن الزبير: ( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (آل عمران:172) ، قَالَتْ لِعُرْوَةَ: يا ابْنَ أُخْتِي، كانَ أبَوَاكَ منهمْ: الزُّبَيْرُ، وأَبُو بَكْرٍ، لَمَّا أصَابَ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ما أصَابَ يَومَ أُحُدٍ، وانْصَرَفَ عنْه المُشْرِكُونَ، خَافَ أنْ يَرْجِعُوا، قَالَ: مَن يَذْهَبُ في إثْرِهِمْ فَانْتَدَبَ منهمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، قَالَ: كانَ فيهم أبو بَكْرٍ، والزُّبَيْرُ" (متفق عليه) .
10- الاستجابة المطلقة:
- من عجائب الاستجابة منهم -رضي الله عنهم-: عن جابر -رضي الله عنه-: لمَّا استوى رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يومَ الجمعةِ قالَ: اجلسوا. فسمعَ ذلِكَ ابنُ مسعودٍ فجلسَ على بابِ المسجدِ! فرآهُ رسولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- فقالَ: تعالَ يا عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ " (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
خاتمة: عباد الرحمن يتسابقون في الاستجابة:
- عباد الرحمن لا يرضون بالدون، وإنما يطلبون الدرجات العالية، ولو كانوا من أصحاب الاعذار: قال -تعالى-: ( وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ ) (التوبة:92) ، أبو عقيل الأنصاري في رمقه الأخير، يسمع المنادي يهتف أثناء المعركة، فيقول: "لبيك لبيك!".
- عباد الرحمن يعظمون خطاب الرحمن بالمسارعة بالاستجابة: قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: " اعْهَدْ إِلَيَّ، فَقَالَ: " إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ يَأْمُرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ "،} وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) (الفرقان:73).
فاللهم اجعلنا من عبادك المستجيبين لأمرك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فكم من أصحاب ذنوب يقولون: نريد الاستجابة ولا نستطيع! نسأل الله العافية (مدخن - تارك للصلاة - نائم عن الفجر - أكل للحرام ... ).
(2) هي عشر صور مِن حياة خير مَن استجاب -رضي الله عنهم-، وليس معنى ذلك انعدام ذلك في الأمة بعدهم، ولكن هم كالنجوم في سماء الاستجابة.
(3) فأين الذين عابوا أحكام الدين والشريعة بحجة المعاصرة والتحديث؟ أين هم من هؤلاء؟!
(4) لقد كان يسعهم في المثالين أن يفرغوا من الصلاة ثم يسألوا عن السبب، ولكنها الاستجابة العظيمة؛ فأين تاركي الصلاة ونحوهم من ذلك؟!
(5) فأين المدخنين، والمرابين، ومحبي الأغاني، وغير ذلك، من هؤلاء؟!