شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حوار مجلة الفرقان مع د. أبو بكر القاضي

صوت السلف • شبابنا

ومرحلة الشباب -وأنا أسميها: مرحلة اكتمال القمر- التي هي مرحلة القوة والعنفوان، والنشاط والحماسة والحيوية، تتوجب فيها العبودية بكمالها وواجباتها ومستحباتها حسب الإمكانيات والمواهب؛ ولذلك ثبت في السنة النبوية الشريفة أن العبد لا تزول قدمه يوم القيامة حتى يسأل سؤالين: سؤال عن عمره كافة، وسؤال عن مرحلة الشباب خاصة، وهذا يدلك على ما ينتظره الشرع والدين مِن هذا المكلَّف المؤهل لكي يخدم دينه وقضيته ورسالته، ويعمر الدنيا باسم الله، ويعبِّد الخلق للحق، ويربط بين السماء والأرض.

فالشاب المسلم لا بد وأن يحمل في جنبات صدره أمل وبشرى عودة الخلافة كهدفٍ إستراتيجي، ويحمل أهدافًا مرحلية لذلك مِن نشر دعوة الحق (الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة) بعد تعلمها مسألة مسألة، والعمل بها، والتخلق بأخلاق القرآن، وذلك بكل السبل المتاحة، ومنها: العفة، وإنشاء بيت مسلم، وتربية أولاد صالحين، وتربية نفسه لكي يصلح لهذه الأدوار.

وكذا الفتاة المسلمة لها دور بارز في إحياء ما اندرس من قيم العفة والحجاب، والحشمة والوقار، والأمانة، والبُعد عن الاختلاط المحرَّم، والتعلم والتعليم، وإنشاء بيت مسلم كنواة جديدة في إصلاح المجتمعات.

فالشاب والشابة يرتقيان من مرتبة الصلاح لمرتبة الإصلاح في خطى ثابتة جادة مستقيمة، بالعلم والعمل والدعوة إلى الله.

- في ظل الصحوة الإسلامية المعاصرة: كيف ترى -وأنت قريب من قطاع الشباب- حال الشباب والفتيات ومدى إقبالهم على الالتزام الصحيح الذي يكفل لهم الاستقامة على دين الله تعالى والفلاح في الدنيا والآخرة؟

الشباب عطشى في الحقيقة للدين والالتزام، عطشى للخروج من الحيرة وسردية الاضطرابات النفسية والمشاعرية والوجودية، والخروج من العلاقات المؤذية مع مَن حولهم في جيلهم ومَن سبقهم، عطشى للخروج مِن ظلمات الشبهات والشهوات إلى نور المعرفة واليقين، وصلاح البال والحال، واطمئنان القلب؛ بالتوجه لإلههم الحق، والتزامهم سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم؛ عطشى لإشباع حاجاتهم الفكرية والنفسية والروحية، بالاتصال بالوحي (قرآنا وسنة)، وسد ذلك الفراغ الهائل في الوقت والذهن والقلب بالقضية والغاية والرسالة التي مِن أجلها وُجدوا عامة في هذا الوجود، ومن أجلها وجدوا بشكلٍ خاصٍّ في هذه المرحلة من تاريخ الأمة؛ ذلك الزمن الاستثنائي؛ زمن الغربة، واستعار موجة الشهوات والشبهات.

فالشباب عطشى للطرح المتوازن لدينهم وشريعتهم بين الرغبة والرهبة في المواعظ، وبين الطرح العلمي الموضوعي في جانب العقيدة والفكر والثقافة، وهم في حاجة للتحصن والتترس بترس العلم النافع، وهم متشوفون لذلك، باحثون عنه، مكنون داخلهم -بالفطرة- طاقة هائلة تجاهه.

لكن الصوت الذي يصلهم هو صوت العولمة المشوش لأسئلة الفطرة وإجابات الدين، أو البدع التي يُراد لها قيادة دفة التدين؛ لأنها تثمر تدينًا أعوج مدجنًا، بلا أي صدامٍ مع حضارة الغرب المتعفنة!

فالشباب في الحقيقة متربص ومتأهب لنداء الفطرة الداخلي للبناء، رغم كل معاول الهدم؛ بناء أنفسهم وإخوانهم وأسرهم وأمتهم، بناء ثقتهم بأنفسهم، وبناء وعي متحصن ومنفتح يتحدى العالم بقوة عقيدته وثقافته وتراثه، ورؤيته الإستراتيجية لمستقبله ومستقبل أوطانه وأمته.

يوجد فيهم سيل عارم من الطاقة، لو وجه التوجيه السليم لانقلبت موازين العالم، وتحركت الدعوة في المشارق والمغارب، وقامت الخلافة على منهاج النبوة من جديدٍ، لكن الصوت العالي الذي يصلهم -كما ذكرنا- هو ذاك الصوت المشوّش، والصورة المشوهة، والبريق الزائف، والتاريخ المزور، والمعالجة السياسية الميكيافيلية، وشبق الشهوة الذي تتمحور حوله معظم الأدبيات والمسرحيات والأفلام والمسلسلات، حتى الأفلام الوثائقية واتجاهات معالجة الأحداث السياسية!

- ما أسباب حالة الفراغ الفكري وتدني المستوى العلمي التي أصبحت تلازم الكثير من الشباب اليوم؟

البُعد عن المصادر الحقيقية لبعث الأمة وإلهامها دورها وقيادتها وريادتها للعالم، وهي: القرآن والسنة بفهم السلف الصالح رضي الله عنهم، وقدوات السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وتابعهيم من الأئمة الأعلام؛ هو كلمة السر في حالة الفراغ والتقهقر الفكري والثقافي التي يحياها الشباب الآن.

فأصبحت هناك مصادر تلمَّع للشاب يستقي منها معارفه وإن كانت مشوهة، قدوات وإن كانت رويبضات يستلهم منهم النجاح بتسميتهم رموزًا ونجومًا وكواكب، وأصحاب سعادة، وأرقامًا متصدرة في المال والإعلام والشهرة.

ومع الأحداث الأخيرة التي عصفت بالعالم العربي من فتنٍ أدَّت إلى اهتزاز صورة الرموز والعلماء والدعاة؛ بسبب تشويه الإعلام مستغلًا الأحداث السياسية، والسكر الثوري الذي عصف بالشعوب حتى على البدهيات والمسَلَّمات، وأصول التراث، وتاريخ هذه الأمة العظيمة؛ مرَّ الشباب بهزةٍ ثقافيةٍ عنيفةٍ على كل مستويات المدركات والمعارف، والعقائد والأفكار والقيم، مع عدم وجود رصيدٍ كافٍ لامتصاص كل هذه الصدمات المتلاحقة من التشبع بالتراث؛ دراسة وتأصيلًا وتحصينًا، فإن عمر الصحوة لا يزيد عن خمسين سنة بعد سقوط الخلافة العثمانية وبث الفكر العلماني في الشعوب، مع إزاحة الشريعة معنويًّا وواقعًا من حياة أكثر البلدان الإسلامية.

لم يكفِ رصيد التربية العلمية والفكرية والإيمانية لاستيعاب كل هذه الفتن والمستجدات والأحداث، والاختلافات المنهجية والسياسية على الساحة حتى وصل بالبعض إلى الكفر بالفكرة الإسلامية والانتماء لها، ورؤية أنها الحق والحل وإن تأخر التمكين لها، واستبد بالمسلمين الاستضعاف.

طلب العلم الحقيقي والتربية المباشرة -لا الفضائيات ومواقع الشبكة العنكبوتية- هي التي تصلح لإنتاج كوادر وأفراد يستطيعون مجابهة تلك الأمواج التي كالجبال من الفتن!

الصفحة السابقة