شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعنا أسباب وعلاج (12) الاضطرابات الأسرية

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقال الشعبي في هذه الآية: (( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ )، قال: الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنه لو قذفها لاعنها، ولو قذفته جُلدت؟!" (انتهى) .

قلتُ: لا شك أن الصداق جزء مما أنفق الرجل من أمواله، وكذلك نفقته المستمرة التي رغَّب فيها الشرع، وجعلها من أعظم الصدقات، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ ) (رواه مسلم) ، وعن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ )، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: "وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ". ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: "وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا، مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللهُ بِهِ، وَيُغْنِيهِمْ" (رواه مسلم والترمذي) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَأَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ، فَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: فَالشَّهِيدُ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، وَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ: فَأَمِيرٌ مُسَلَّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لَا يُعْطِي حَقَّ مَالِهِ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ" (رواه أحمد وابن خزيمة في صحيحه، والترمذي وابن حبان على ضعفٍ يسيرٍ فيه) ، ورغَّب النبي -صلى الله عليه وسلم- في وضع الطعام في فم المرأة إنفاقًا ومداعبة؛ فقال لسعد -رضي الله عنه-: ( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ ) (متفق عليه) .

فإذا ترك الرجل فضيلته بضعف دينه، وارتكاب المنكرات وترك الواجبات؛ فقد مِن قوامته بقدر ما فقد مِن فضله، وكذلك إن ترك فضل العقل؛ فتعامل بالسفه وردَّ على الجهالة بجهالة؛ فقد فَقَدَ من قوامته بقدره كذلك، وإن فاقته المرأة في دينها أو عقلها كان كحال ملكة سبأ بلقيس مع قومها، الذين لا يفقهون الأمور على حقيقتها؛ فقالوا في جواب رسالة سليمان -عليه السلام-: ( نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ) (النمل:33) ، ولو أطاعتهم لدمروا بلادهم وقومهم، ولكن بعقلها ردَّها الله إلى الحق وإلى التبعية لسليمان -عليه السلام-؛ فانتظم أمرهم بعودتهم إلى قوامة الرجل الصالح.

وليست القوامة بمجرد الذكورة؛ بل بفضل الدين والعقل، وكذلك بإنفاق المال؛ فإذا لم ينفق الرجل على أسرته فقد قوامته، وعرَّض أساس الأسرة للاهتزاز؛ ككثير من الرجال في زماننا يتركون أسرهم بلا نفقة؛ حتى تضطر الزوجة للتكسب على نفسها وأولادها، وهذا عين القسوة من الرجل عليهم، والظلم والعدوان طالما كان قادرًا على الكسب، وإنما وجبت طاعة المرأة الصالحة لزوجها القوَّام عليها بفضل عقله ودينه ونفقته؛ فعند حصول هذه الأسباب يحصل الصلاح من المرأة، والقنوت وهو الطاعة، وهي طاعة لله بطاعة الزوج.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة