9-أنس الطائعين ووحشة الغاوين
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
فلو لم يكن من عقاب للكفرة والظلمة - الذين غابوا عن حب الله ومعرفته - وعبادته على شهواتهم الوقتية المملوءة بالتعب والنقص إلا عقوبة الغياب عن شأن الإجابة و التلبية و الإقامة على طاعة الله والمحبة له لكفى بها عقوبة، وحجاب قلوبهم عن الله أقسى عذاب ، كما أن حجابهم عن الله يوم القيامة أ شد عذابهم قال عز وجل (كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) المطففين15 و لو كان هذا الغائب واعيا عاقلا لأدرك أ نه في عقوبة ولكنه لا يدري ولا يعقل ولا يعي .
يقول ابن القيم:
ووالله لو أضحى نصيبك وافرا
رحمت عدوا حاسدا لك قاليا
إذا كان نصيبك كبير من الحب سترحم من يكرهك ومن يحسدك ، لأنه يحسدك على الإيمان ويكرهك من أ جل أنك ملتزم ، ستقول يا له من مسكين . لو أصبح نصيبك أيها المؤمن من الإيمان والعبودية التي لله وافرا كبيرا لرحمت أعدائك الحاسدين القالين لك الكارهين اللذين يؤذونك ويحقدون عليك .
رحمة الأعداء المؤذين للمؤمنين، والشفقة عليهم لما هم فيه من الجهل سنة ماضية عن الأنبياء وأتباعهم ، قال الخليل عليه السلام (فمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) إبراهيم36 ، و عن ا بن مسعود رضي الله عنه قال كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ، ضربه قومه حتى أدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ، ويقول ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ، هذه رحمه فهو يرحمهم لأنهم لا يعلمون ، وقال عز وجل عن مؤمن آل يس (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) يس27 ، ماذا يتمنى لهم وهم قتلوه أشنع قتلة ، قتلوه دهسا بالأقدام حتى خرجت أمعاؤه ، قتلوه وهو يتمنى أنهم يعرفوا حتى يغفر الله لهم .
تظل هذه الرحمة موجودة والتمني أن يهديهم الله ما لم يموتوا على الكفر ، أو ي ـُ علِم الله نبيه بالوحي أن هذا العدو يموت كافرا ، قال تعالى (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ) التوبة114 ، وذلك حين مات كافرا ، وقال موسى وهارون عليهما السلام في دعوتهما على فرعون وجنده ( فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) يونس88 ، فربنا أعلمهم بأن ليس هناك فائدة من هؤلاء وأنهم لن يؤمنوا فدعوا عليهم ، كما قال تعالى عن نوح عليه السلام (رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً) نوح26 ، فلا تعارض بحمد الله ، فالأولى للمؤمن طالما بقي عدوه حيا أن لا يتمنى هلاكه على الكفر ، وأن لا يدعو عليه بذلك ، بل يرحمه لما هو فيه من العذاب ، عذاب الحسد لأهل الإيمان ، فإن الحسد قاتل لسعادة الإنسان
لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله
فإن الحسد قاتل لسعادة الإنسان وحياة قلبه ، ومانع من الإيمان . و الكافر في عذاب الحسد وفي عذاب كراهية الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعذاب حب الباطل ، يؤدي به لكرهه لنفسه ، فالإنسان عندما يكره الحق الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم تكرهه نفسه ويكره نفسه ، قال الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ) غافر10 ، فهم من حين دعوا للإيمان فكفروا ونفوسهم تكرههم وهم يكرهون أنفسهم، ويبشرون بأن مقت الله لكم أشد من مقتكم لأنفسكم .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا أبغض عبدا نادى جبريل : إني أ بغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبريل ، ثم ينادي جبريل في أهل السماء : إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ، ثم توضع له البغضاء في الأرض ) وقال تعالى (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) الدخان29 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أما الكافر فيستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) فلو كان نصيبك أيها المؤمن من الإيمان وفيرا كبيرا لنظرت لمن آذاك في الله بعين الإشفاق ، إذ هو المحروم من أعظم نعيم الدنيا والآخرة ، شقي في الدارين ، وأنت م ـَّ ن الله عليك بأعظم عطاء ، فارحم من حسدك ، واعفو عن من ظلمك ، وصل من قطعك ، وأعط من حرمك ، فإنك بذلك تأخذ أضعاف أضعاف ما أعطيت .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
