14- إعانة الناس على معايشهم من العمل للإسلام
ياسر عبد التواب • يا باغي الخير أقبل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
من أجلِّ ما يمكنك أن تنفع به إخوانك المسلمين هو إعانتهم على أمور معايشهم، ولئن كنا تحدثنا آنفاً عن أنواع من الإعانة على المعايش مثل الشفاعة في الخير، فإن المعنى هنا يتسع ليشمل أنواعاً أخرى من الإعانة، ولكن بطريقة عملية لا ترتبط بوجاهة المحسِن المتطوِِّع، وإنما ترتبط أحياناً بطبيعة عمل، أو طريقة تكسب ذلك المحسن.
فيمكن للمحسن أن يتقرب إلى الله -تعالى- باختياره لنوعية عمل فيها نفع للناس، وهذا يتضمن أيضاً بعض الأسس المعروفة للتقرب إلى الله -تعالى- بالعمل، مثل أن تكون نوعية العمل أو الدراسة أو التجارة مباحة، وتكثر حاجة الناس إليها، وأن يؤديها بطريقة ترضي الله -تعالى-، فلا يؤذي الناس ولا يمن عليهم، بل يفعل ذلك بتواضع وإخبات، وشكر لله رب العالمين عندئذ ينال الكرامة.
عن علقمة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من جالب يجلب طعاماً من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه إلا كانت منزلته عند الله منزلة الشهداء) ، ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (1) .
وقال ابن مسعود: أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء. وقرأ (وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ...) الآية.
وقال ابن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إلي من الموت بين شعبتي رحلي، ابتغي من فضل الله ضارباً في الأرض.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله) .
وعن بعض السلف أنه كان بواسط، فجهز سفينة حنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: بع الطعام يوم تدخله البصرة، ولا تؤخره إلى غد، فوافق سعة في السعر؛ فقال التجار للوكيل: إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، فكتب إلى صاحبه بذلك، فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا! إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وقد جنيتَ علينا جنايةً، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال وتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من الاحتكار كفافاً لا علي ولا لي.
(1) قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء ج 2 : أخرجه ابن مردويه في التفسير من حديث ابن مسعود بسند ضعيف
