10-أنس الطائعين ووحشة الغاوين..تتمة
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
انظر إلى أحوال الكافر والمبتدع قد غرق في شهوات نفسه البهيمية والإبليسية ، شهوات بهيمية كالأكل والشرب والنكاح و شهوات إبليسية كشهوة الكبر والعجب والعلو في الأرض والرياسة والملك والجاه وإذلال الناس ،انظر إليه حين يشبهه ابن القيم رحمه الله إذا ألقيتَ عليه مسألة محبة الله عز وجل ومسألة الإجابة إلى أمر الله والقرب منه ، فتجده لا يفقه كثير ا مما تقول ، كأهل مدين قوم سيدنا شعيب إذ يقول لهم (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) فيردوا عليه ( يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ) هود91 .
ف مسألة محبة الله عز وجل عندما تطرح على شخص مبتدع ضال أو شخص كافر أو غارق في الشهوات كحسناء وضيئة زفت إلى رجل أعمى وِعنـِّين ، والعياذ بالله ، فهو أعمى لا يرى حسنها وِعنـِّين لا قدرة له على أن يصل إلى جماعها ووطئها ، فالحسناء ستكون محنتها صعبة جدا ، فقد يمكن تجاوز ذلك لأن معشره يهون ما به، ولكنه فوق ذلك بلا حب وخالٍ من الود والوجد، وهو أمر غاية في السوء، وهو مـَثل دقيق للإنسان الذي لم يحب الله قط في عمره ، ولا يفهم ولا يرى ولا قدرة له على أن يتعبد لله ، لا يعيش إلا في الشهوات، لا يعيش إلا في الضلال ، يشتم ويسب ويلعن، يشرب المخدرات، يظلم الناس ويسرق يعتدي ، هذه هي حياته والعياذ بالله ، وما أسوأ معاملته للحسناء لا يمكن أن يعاشرها ولا أن يرى جمالها ، حتى وإن كان جمالها ل ـَ ي ـُ ذهب ظلمة الليل فتنيره.
مسألة حب الله ككتاب الله لأنها منه ( لا يمسه إلا المطهرون ) و الكتاب دل عليها ، وهذا القرآن لا يمسه إلا المطهرون على أحد الوجوه في التفسير ، أو هو إشارة إلى أن القرآن لا يفهم معناه ولا يمس قلبه إلا من كان متطهرا قلبه ، فمن الذي يجد لذة القرآن كما قال عثمان رضي الله عنه:" لو طهرت قلوبكم لما شبعت من كلام الله "، فهذه المسألة لا يفهمها ولا يفهم معناها ولا يذوق لها حلاوة ولا يرى قبسها ونورها إلا من كان مطهرا .
فلو كلمت واحدا من هؤلاء عن العبودية والحب وعن لبيك وسعديك أعاد الضياء في عينيه ظلاما ، وبقيت عينيه مظلمة كما هي من قبل عرض هذه المسألة عليه ، فإذا كان الأمر كذلك فلا تعرضها عليه ولا تحاول معه طالما وجدت إعراضا فضن بها إن كنت تعرف قدرها ، إلا أن ترى كفؤاً آتاك مواتيا، فابخل بهذا العلم عن غير أهله ، ولا تضيع وقتك إن كنت تعرف قدره .
وليس معنى ذلك عدم عرضه على الخلق ابتداء ا، بل لابد من البيان لكن إذا وجدت الإعراض والغفلة والعمى فابتعد عنهم حتى تجد من يصلح لهذا الشأن وعلمه هذا العلم وبينه له ، فهو الذي يقبله ، وهو كالكفء للحسناء آتاك موافقا على بذل مهر المحبة ، وهو التضحية والبذل للنفس والمال فما مهرها شيء سوى الروح .
فيا أيها الجبان تأخر ، لست كفؤاً مساويا ، إذا أردت أن تكون محبا محبوبا فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، فنفسك وروحك - إذا إن كنت قبلت البيع- ليست ملكا لك ، فسلمها لمالكها يفعل بها ما يشاء ، وهو قد وعدك أنه يحفظها عليك ويردها عليك أوفر مما كانت ، أما من لا يريد البذل ولا التضحية ولا يريد أن يصاب في سبيل الله فهو الجبان عن البذل فليتأخر فليس أهلا للمحبة ولا صالحا لهذا البيع (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) البقرة214
ثم يقول ابن القيم:
فكن أبدا حيث استقلت ركائب
المحبة في ظهر العزائم سارية
كن أيها المؤمن حيث أمرك الله شرعا أن تكون ، وافعل ما يحبه الله وما يقتضيه حبه من اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم ، فهذا الحب يحملك حملا إلى المنازل العالية في أسرع وقت وفي أهنأ سفر وأكثره راحة بلا عناء ولا تعب ، وسر دائما بالعزيمة والإرادة الجازمة لوجه الله ، فالإرادة الصادقة التي لا تنثني منك له سبحانه تسير على ظهرها إلى بلاد الأفراح . والحمد لله رب العالمين
