حوار موقع الإسلام اليوم مع فضيلة الشيخ/ ياسر برهامي
صوت السلف • حوارات
أما تلك الخطة الشيطانية التي يعدها الإعلام الفاسد في شهر رمضان لإلهاء المسلمين عن عبادة ربهم في هذا الشهر، حين تسلسل شياطين الجن، فينطلق شياطين الأنس؛ لأخذ دورهم في فترة اعتقالهم وحبسهم، فلابد أن نحذر منها أشد الحذر؛ فإن جبريل- عليه السلام- أخبر الرسول-صلى الله عليه وسلم- أنه: (رَغِمَ أنف من أدركه رمضان ثم لم يغفر له) .
ومن أعظم ما يمنع المغفرة إدمان النظر إلى العورات المكشوفة، وإدمان سماع المعازف المحرمة والكذب والبهتان، وامتلاء القلب باتباع الشهوات والإرادات الحقيرة، وانشغال الجوارح بالتنافس السخيف على التفاهات الفارغة، مثل : الفوازير والمسلسلات، واربح المليون واخسر نفسك، في الحقيقة. فنسأل الله العافية .
أما المواقع والفضائيات الإسلامية فعليها دور كبير مهم في إيقاظ الهمم، وإرشاد العقول والقلوب لطرق الهداية، وقد جعل الله لكثير منها قبولاً لا يقل عن إقبال الناس على قنوات الشهوات التفاهات، فلابد من إعداد البرامج التي تذكر بالآخرة، وتسعى إلى تجديد الإيمان، ومعالجة القضايا الواقعية للمسلمين، وتحديد الموقف الصحيح منها بأدلة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وتجنب فتوى أهل الانحراف، والحرص على عدم تصديرهم للأمة على أنهم علماء أو دعاة، بل التحذير منهم واجبٌ نصيحةًً للأمة، وحرصًا على سلامة عقيدتها ومنهجها ومرجعيتها .
كل إنسان يضع لنفسه خطوطًا حمراء في رمضان لا يتجاوزها، فما أهم الخطوط لديكم؟
أظن أن أهم تلك الخطوط لدي هو عدم السماح بإضاعة الوقت في مجالسات، أو منازعات تأخذ القلب بعيدًا عن جو القرآن، وتشغله بما أقل أحواله أن يكون غيره أولى منه .
ما هو أجمل رمضان قضيته في حياتك؟
إن لذة المؤمن الحقيقية هي في أوقات الطاعة والعبادة؛ لأن القرب من الله- عز وجل- هو النعيم، وإنما يتقرب العبد من ربه بسجوده وركوعه وقيامه وتلاوته القرآن وسماعه مع التدبر، وأن يذوق الإنسان لذة الشوق إلى لقاء الله ومحبته. ورمضان أعظم فرصة لحصول ذلك، ومن الصعب أن أحدد أي رمضان بعينه كان أجمل؛ فكل رمضان كان- بفضل الله علىّ- جميلاً لا أجد له نظيرًا، خصوصًا الليالي العشر الأواخر .
هل قضيت رمضان قبل ذلك في المعتقل؟ وإن حدث، فما هي أهم الذكريات التي حدثت فيه؟
نعم قضينا رمضان في المعتقل مرتين مرة في رمضان 1407هـ، ومرة في رمضان 1423هـ، وهي من أفضل أيام حياتي رغم ما فيها من ألم، ألم مفارقة المساجد، وألم مفارقة الأهل والإخوة والدعوة، لكن الله- سبحانه- يجعل للمؤمن من كل ألم في سبيل الله سببًا للذة القرب منه، وتفرغًا لعبادته بما لا يجده في أوقات العافية، وليست أوقات المحن بخالية من أنواع العافية، بل هي ابتلاء من جهة وعافية من جهات، وقد يظن كثير من الناس أنهم في عافية، وهم في أنواع من البلاء والمحن أعظمها الانشغال عن ذكر الله وعبادته .
كان معي في المرة الأولى الشيخ أحمد فريد، حفظه الله، والشيخ فاروق الرحماني، رحمه الله، وإخوة آخرون، وقضينا العشر الأواخر في زنزانة انفرادية في الطابق الأرضي من عنبر "أ" في "استقبال طره"، وكان معي فيها الشيخ محمد أحد شيوخ الأزهر، ولازلت أذكر مشاعري في تلاوة: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) ، في إحدى الركعات في ليلة من ليالي العشر الأواخر، والسعادة الغامرة التي لا أنساها، حتى إني لأشتاق لرؤية هذا المكان، لكن بالطبع ليس معتقلاً فيه، نسأل الله العافية .
أما المرة الثانية فكانت مع فضيلة الشيخ سعيد عبد العظيم، والشيخ سيد حسين العفاني، وإخوة أحباء آخرين، حيث قضينا أول ليلة من رمضان والكهرباء منقطعة، والسجن مظلم، لكن الله مَنَّ علينا بليالٍ لا تنسى حلاوتها رحمة منه وفضلاً، فظلمات اليأس والألم تتبدد مع أنوار الرجاء والرحمة، والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين، فله الحمد، وأسأله أن يعافي كل المستضعفين من المسلمين في كل مكان، وأن يفك أسر المأسورين، وأن يرفع الظلم عن المظلومين .
كيف ترى الاعتكاف في رمضان؟ وما هي نصائحك للذين ينوون الاعتكاف هذا العام؟
بفضل الله منذ سنة 1400 هـ لم أترك الاعتكاف في المساجد، إلا في المرتين اللتين اعتقلت فيهما، والاعتكاف تربية أساسية يحتاجها المؤمن، وتجديد لقوة إيمانه، ومراجعة لنفسه، ووعاء لنزول الرحمات والهبات وعطايا من الرحمن الرحيم، لا ينالها إلا من جاء بالإناء ووقف ينتظر المَنَّ؛ فالعبادات كلها أوعية لنزول عطايا الرب لقلب عبده المؤمن من محبته وخوفه ورجائه وتوكله وشوقه وشكره وصبره وإخباته وإشفاقه وفقره وذله وغناه بالله- سبحانه وتعالى- دون ما سواه ومن سواه .
وفي الاعتكاف تجتمع أصول تهذيب النفس كلها، من ترك فضول الطعام والشراب والشهوة الجنسية، وترك فضول الاختلاط بالناس- لمن اعتكف الاعتكاف النبوي، وليس اعتكاف الأُنْس بالناس والانشغال بهم- وترك فضول الكلام، وترك فضول النوم بصلاة القيام وقراءة القرآن، مع شهود الجماعة والمحافظة على تكبيرة الإحرام، ولو وجدت دروس نافعة في تهذيب النفس، والسيرة، والقرآن تدبرًا وفهمًا لكان فيها الخير الكثير .
ونصيحتي لإخواني الذين ينوون الاعتكاف أن يهتموا بما ذكرنا من أصول التهذيب والإصلاح، وأن يدخلوا هذه المدرسة بقلوبهم، وليس فقط ملازمة المسجد بأبدانهم .
هل قمت بعمرة في رمضان قبل ذلك؟ وما أهم الذكريات التي تحملها عن العمرة؟
بفضل الله أقوم بعمرة في أول رمضان من كل عام، إلا بعض الأعوام لم يُيَسَّر لي ذلك، والضعفاء من أمثالنا ليس لهم من أوقات لذة في الطاعة غير أوقات الصلاة والاعتكاف والحج والعمرة، فهي ذكرى الطاعة مع قلة بذلنا وضعف جهدنا في نصرة الدين، لا نجد أمثل من ذلك، وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج والعمرة) ، ونسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا وعجزنا، وأن يتقبل منا .
