شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"القُدْسُ" بَدَأَت إِسْلامِيَّة... وستظل إِسْلامِيَّة وَلَو كَرِهَ الكَافِرُون

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

ومات هارون ثم موسى -عليهما السلام- في فترة التِّيْهِ، ولم يدخل الأرض المقدسة؛ بل لما أتاه الموتُ سَأل اللهَ أن يُدنِيه مِن الأرض المقدسة رميةً بحَجَرٍ، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: ( فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ ) (متفق عليه) .

ثم كان يُوشَع بن نون -فَتَى مُوسَى- هو الذي نبَّأَهُ اللهُ بعد مُوسَى، وقاد بني إسرائيل إلى "بيت المقدس"، وهو النبيُّ الذي حُبِسَت له الشمسُ عَصْر الجُمعة -لكي يُقاتِل قَبل دُخولِ لَيلةِ السَّبْتِ-؛ فَقَاتَل حتى فَتَحَ اللهُ عَلَيهِ "بيت المقدس".

وسَكَنَها المُؤْمِنون المُسْلِمون المُوَحِّدُون من بني إسرائيل مُدَّةً من الزمن، إلى أن وَقَعَ ما أَخْبَرَ اللهُ عنهم من الفَسادِ والعُلُوِّ: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) (الإسراء:4-6) .

كان الفسادُ الذي وَقَعَ منهم فَسادُ الاعتقادِ والعَمل، من الشِّرْك والكُفْرِ، مِن تكذيب الأنبياء وقَتْلِهِم بغير حَقٍّ، وأنواع الفساد والطغيان والبَغْي، وظَاهِرُ القرآنِ أن هذا بعد نزول "التَّوْرَاة"؛ لأنه قال: ( وَقَضَيْنَا إِلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ ) وهو التوراة.

فكانت المَرَّة الأُولى مِن الإفسادتين التي جاء وعد العقوبة عليها على يَدَي "بُختُنَصَّر" -على المَشهورِ عندهم-، قال سعيد بن المُسَيِّب -رحمه الله-: "ظَهَرَ بُختُنَصَّر على الشام، فَخَرَّبَ بيت المقدس"، قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهذا هو المشهور، وأنه قَتَل أَشرافَهم وعُلَماءَهُم، حتى إنه لم يبق من يَحْفَظُ "التَّوْرَاة"، وأَخَذ مَعَه منهم خَلْقًا كَثيرًا أَسْرَى، من أبناء الأنبياء وغيرهم" (انتهى) .

وظَاهِرُ القرآن يَدُلُّ على أنه دَمَّرَ المسجد تدميرًا؛ لقوله -تعالى-: ( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) أي: يُدَمِّروا ما عَلَوا عليه -أي: ظَهَرُوا عليه- مِن البلد تدميرًا؛ فدَلَّ على أن المَرَّةَ الأولى كان فيها تدمير شامل.

وقد كان "بُختُنَصَّر" مُشْرِكًا كافرًا، لكن سَلَّطَهُ اللهُ على بني إسرائيل؛ لإساءَتِهم وكِبْرِهم وإفسادِهِم؛ لِنَعْلَم سُنَّةَ اللهِ في خَلْقِه، أنه قد يُسَلِّطُ الكُفَّارَ على المسلمين إذا ظَهَرت فيهم البِدَع والشرك والظلم والفساد.

ثم إن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وَفَّقَ بني إسرائيل بعد مُدَّةٍ -بِدَعْوَةٍ مِن نَبِيٍّ لَهُم- للطاعة والإيمان والرَّغْبَة في الجهاد، ورَدَّ اللهُ لهم الكَرَّةَ عَلَيهم، ومَدَّهم بأموالٍ وبَنِين، وجَعَلَهُم أَكْثَرَ نَفيرًا -أي: عَسْكَرًا- مما كانوا عليه من قبل؛ فنَصَرَهم الله مع "طَالُوت" -مَلِكَهم الذي بعثه الله لهم على لسان نَبِيِّهِم- فدخلوا "بيت المقدس"، وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ، وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ -بعد طَالُوت- وَالْحِكْمَةَ، جَعَلَهُ نَبِيَّاً مَلِكًا، وآتاه "الزَّبُور"، وكان مُجاهِدًا في سبيل الله، صَائِمًا قَائِمًا عَابِدًا، تَالِيًا لكتاب الله.

ووَرِثَه سُليمان -عليه السلام-، وهو الذي بنى "بيت المقدس"، وفي الحديث الصحيح قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ ) (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

فالمسجد الأقصى بُنِيَ على التوحيد والإيمان والإسلام واتِّبَاعِ الأنبياء، ولم يُبْنَ على الكفر والتكذيب قَطّ؛ فإذا ضَيَّعَتْهُ الأُمَّةُ المُسْلِمة بتفريطها وإساءَتِها نَزَعَهُ اللهُ -عزَّ وَجَلَّ- منهم.

وفي أخبار أهل الكتاب أن الرومان هم الذين هدموا "المسجد الأقصى" المرة الثانية، بعد أن سَلَّطَهُم اللهُ عليهم -بإفسادِهِم وكِبْرِهِم- ودَمَّرُوا البَلَدَ تَدمِيرًا، قال -تعالى-: ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ) أي المرة الآخرة مِن الإفسادتين جاء وقت العقوبة عليها ( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) (الإسراء:7) .

وبُعِثَ يحي وعيسى -عليهما السلام- والمسجدُ مهدوم، وظَلَّ مَهدُومًا إلى عهد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-.

وعندما فَتَح المسلمون "بيت المقدس" سنة 16 مِن الهجرة في عهد أمير المؤمنين عُمَر بن الخطاب -رَضِي اللهُ عَنهُ- بنى عُمَر "المسجد الأقصى"، وجعل الصخرة خلف قِبْلَتِه، ولم يقبل ما أشار عليه "كعب الأحبار" أن يبنيه خلفها لتكون الصخرة في جهة القبلة؛ حتى لا تُعَظَّمَ بالصلاة إليها مع الكَعْبَة.

وكان هذا دليلٌ على أن الأُمَّة إنما يعود لها المسجد بالإسلام والإيمان بغض النظر عن النَّسَب؛ فبنو إسرائيل غيرُ المسلمينَ المُؤمنينَ ليسوا وارثين للأرض المُقَدَّسَة، قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (الأنبياء:105) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية