قصة صاحب الجنتين
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- ثم إعلان لأهم قضية في الحياة وأنه مهما عظمت الفتن بالدنيا -ومنها الفقر- فأنا على العهد: ( لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا )، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنْتَ ) (رواه البخاري) .
- إذا أعجبتك نعمتك فالواجب شكر المنعم، فذلك أدعى لدوامها وزيادتها: ( وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ).
فائدة: أركان شكر النعم:
أولها: الاعتراف بالنعمة ونسبتها إلى المنعم -سبحانه-: ( قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ) (النمل:40) ، وكان سيد الشاكرين -صلى الله عليه وسلم- يشكر الله ويحمده في كل أحواله، من مآكل ومشرب، ونوم وقيام، وعطاس، ويقول: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
ثانيها: التحدث بها والثناء على المنعم -سبحانه-: ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) (الضحى:11) .
ثالثها: تسخيرها في طاعة المنعم -سبحانه-: ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ) (سبأ:13) .
- وهكذا قام العبد الصالح يخوفه من عاقبه الكفر والجحود لنعم الله: ( إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا . فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا . أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ).
3- المشهد الثالث: عاقبة كفر نعم الله:
- صدق العبد الصالح في توقعه أو استجابة دعائه: ( أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا . وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ).
- أين المال؟ أين الولد؟ أين العشيرة؟ أين الخدم والحراس؟: ( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا . هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ).
- هكذا عاقبة كل مَن جحد نعمة الله، أو استعملها في غير مرضاته سبحانه: قال -تعالى-: ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) (القلم:17-20) ، وقال عن قارون: ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) (القصص:81) ، وقال سفيان بن عيينة في قوله -تعالى-: ( سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ) (الأعراف:182) ، قال: "نسبغ عليهم النعم، ونمنعهم الشكر".
4- خاتمة: الشكر قيد النعم:
- شكر المنعم سبحانه يحفظ النعم ويزيدها: قال -تعالى-: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) (إبراهيم:7) ، وقال بعض السلف: "النعم وحشية فقيدوها بالشكر"، وقال الحسن البصري: "إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابًا، ولهذا كانوا يسمون الشكر: الحافظ؛ لأنه يحفظ النعم الموجودة، والجالب، لأنه يجلب النعم المفقودة".
- هناك أغنياء صالحون يتمنى الإنسان أن يكون مثلهم في تواضعهم وأخلاقهم وسخائهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للمَرءِ الصَّالحِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وقال: ( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ ) (متفق عليه) .
- تأمل خاتمة القصة تعرف أن العزة في طاعة الله، وليست بالدنيا والمال والبنين: ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا . الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ) (الكهف:45-46) .