مظاهر القسوة في المجتمع أسباب وعلاج (18)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
خصوصًا مع أفلام الكرتون التي تبث في الأولاد في السن الصغير أن العفاريت والجن، ومصباح علاء الدين، والساحرة الشريرة والساحرة الطيبة؛ كأن الحياة كلها ينظِّمها السحرة وأعوانهم، وأن منهم مَن يكون خيِّرًا؛ تعالى الله عن ذلك، فإن السحر من كبائر الإثم عمومًا.
ولولا هذا الأثر السيئ في النفوس، والخوف من الجن والعفاريت والسحرة؛ لما رأينا هذا الكم من الحالات التي يُظن أنها ملبوسة أو ممسوسة أو مصروعة أو غير ذلك، وهي ليست كذلك، وإنما هي حالة نفسية؛ فإن هذا تعظيم لشأن الجن أضعافًا مضاعفة أكثر مما يستحقه ويناسبه بما هو واقع في الحقيقة.
وكذلك حينما علَّمه أبوه أن الله هو الذي يَمُن، وأنه هو الذي يجتبي ويعلِّم، ويفعل ما يشاء؛ أثرت هذه الكلمات المضيئة مِن يعقوب -عليه السلام- حين قال: ( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (يوسف:6) .
فلم يقل له: "أنتَ سوف تكون أعلى مِن إخوتك"، أو: "أنتَ ستكون عالمًا بتأويل الرؤى!"، بل لم يتعرض قط لما تضمنته الرؤيا مِن علوٍّ ومُلك دنيوي قد حصل ليوسف -عليه السلم-، بل أعرض عنه بالكلية، واهتم فقط بأن يبيِّن له منة الله واجتباءه عليه ( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) أي: بالنبوة ( كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ).
ولا شك أن إهمال ذكر الدنيا ومُلْكها بالكلية يجعل قدرها في قلب ذلك الابن صغيرًا حتى عندما تحصل له، وإنما الأعظم في الفضل والمنة والاجتباء والاصطفاء: أمر النبوة، وشرف العلم، والحكمة، والعمل الصالح، وظهر ذلك حين سجد له أبوه وأمه وإخوته حين قال يوسف: ( وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا )، ولم يقل: "قد تحققت أو صارت حقيقة"، وإنما قال: ( قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا )، وقال: ( وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ )، فنسب النعمة إلى الله، والمعتاد منَّا نحن الذين ندعي الالتزام أن نقول: "خرجتُ من السجن في تاريخ كذا!"، ولا يحاول أحدنا أن يستحضر: أن الله هو الذي أخرجه مِن السجن، أو أخرجه مِن الأزمة الفلانية، أو شفاه من المرض الفلاني، بل يقول أحيانًا: "شُفِيتُ من المرض" فيبني الفعل للمجهول هكذا، ولا ينسبه إلى الله!
ثم قال نبي الله يوسف -عليه السلام-: ( وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ ) ولم يقل: "جئتم مِن البدو".
ثم علَّمه أبوه أسماء الله وصفاته في قوله: ( إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )، وقد ظهر أثر ذلك في آخر القصة حين توجَّه يوسف -عليه السلام- في خطابه لأبيه بهذه الكلمات بعد هذه السنين الطويلة حين قال له: ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (يوسف:100) .
وللحديث بقية -إن شاء الله-.