تأملات إيمانية في خواتيم سورة الحجر (1)
أبو بكر القاضي • من نور الوحيين
وهذا الإيمان باليوم الآخر أصل جمال السير إلى الله -تعالى- خوفًا ورجاءً، وإخلاصًا، وبذلاً وتضحية، بل هذا الإيمان العميق يجعل المؤمن يستعلي على الكفر، ويرى موازين الأرض ضعيفة إذا قوبلت بجنود الله -تبارك وتعالى-: ( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:249) .
وهنالك في ذلك اليوم العظيم يقتص للمظلوم من الظالم، ويُقضى بين الخلائق كلها بالحق، ويُقال: "الحمد لله رب العالمين".
رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو ذر -رضي الله عنه- شاتين تنطحان فقال: ( يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ تَنْتَطِحَانِ؟ )، قُلْتُ: لَا، قَالَ: ( لَكِنَّ اللهَ يَدْرِي، وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (غافر:17) .
ذلك اليوم المشهود؛ ذلك اليوم العظيم: الحاقة، الواقعة، القارعة، الصاخة، الطامة الكبرى، الله يتجلى ملكه وسلطانه وينادي: ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) (غافر:16) ، بل جمْعُ العباد فيه مِن آثار رحمته -تبارك وتعالى-: ( قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ) (الأنعام:12) ؛ هنالك شقي وسعيد، ففريق في الجنة، وفريق في السعير، فلتشخص الأبصار لذلك الهول الكبير والهم العظيم، ولا تلتفت إلى أذى أو تضييق أو تحكُّم أو استهزاء أو عدوان ( وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) (الحجر:85) .
وهو الصفح الذي لا عتاب معه، وهذا سر جماله، وهكذا العارف الذي استغنى -بما أفاض الله على قلبه- عن الناس ومطالبتهم بحقه، ولا يكون ذلك الاستغناء إلا بصدق معرفة الله بأسمائه وصفاته، كما كان حال يعقوب ويوسف -عليهما السلام- في صبر يعقوب: ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) (يوسف:18) ، وإحسان يوسف: ( قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (يوسف:92) ، فالتعلق بأسمائه وصفاته أهم من المطالبة والمعاتبة والمضاربة.
وكان شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: "العارف لا يرى له على أحدٍ حقًّا، ولا يشهد له على غيره فضلًا؛ ولذلك لا يعاتب، ولا يطالب، ولا يضارب".
- ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ) (الحجر:86) : فتعرض لرذاذ المعرفة بإلهك الحق، فما الدنيا والآخرة إلا أثر من آثار خلقه وعلمه، فهو يخلق، ويميت ويحيي، ويعلم ما تنقص الأرض من الموتى، ويعيد الخلق مرة أخرى وهو أهون عليه ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ) (ق:4) ، ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) (الأنبياء:104) ، فهو رب العالمين وربك أنت، فتفيأ ظلال القرب لمشاهدة آثار خلقه ورحمته، ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) (لقمان:11) ، ( فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (الروم:50) .
- مطالعة تلك المشاهد تهب القلب قوة في مصاولة الباطل، وتصقل القلب وتملؤه نورًا، فيستعد لتلقي كلمات الله، القول الثقيل.
فاستعد للنعمة الكبرى والمنة العُظمى.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.