وباء الكورونا... من منظور شرعي
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الغرض من الموعظة:
- بيان أعظم سبيل لمواجهة الأزمة، وتأهيل النفوس للتعامل مع البلاء إذا نزل.
المقدمة:
- الإشارة إلى حالة الخوف والفزع والاضطراب التي تجتاح أكثر بلاد العالم في هذه الأيام؛ بسبب انتشار وباء الكورونا القاتل: (تعطل التبادل التجاري بين الدول - إيقاف وتعطيل كثير من خطوط الطيران - إلغاء كثير من الفاعليات والتجمعات - إيقاف تأشيرات العمرة إلى مكة - إعلان لمنظمة الصحة العالمية يقول: على العالم أن يتأهب لمواجهة وباء عالمي - وغير ذلك... ".
- حاجتنا إلى التعامل مع الكارثة من منظور شرعي دون إهمال الجانب المادي -طبيًّا وفنيًّا- الذي انحصر نظر أكثر الناس فيه.
- الإشارة إلى جوانب الحديث التي تتناول الموضوع من المنظور الشرعي: (ذكر عناوين الجوانب تنبيهًا للسامعين).
(1) الجانب العقدي: الوباء مخلوق مسخر لله -عز وجل-:
- لا يوجد شيء في الكون، صغيرًا كان أو كبيرًا إلا بإذن الله: قال -تعالى-: ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) (الزمر:62) ، وقال: ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) (الصافات:96) .
- لا يتحرك ساكن، ولا يسكن متحرك إلا بحكمة وتقدير يريده الله: قال -تعالى-: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (القمر:49) ، ( مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ) (هود:56) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) (رواه مسلم) .
- إذا علم البشر ذلك؛ وجب عليهم أن يبحثوا ويتساءلوا: لماذا كتب الله عليهم ظهور وباء الكورونا؟!
والجواب في الجانب الآتي:
(2) الجانب الإيماني: الكفر والمعاصي والذنوب سبب ظهور الأمراض القاتلة:
- جرت سنة الله في الخلق، باقتران ظهور الأمراض القاتلة والنقم المهلكة، بزيادة الذنوب والمعاصي والانحراف عن دينه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ... لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا... ) (رواه ابن ماجه والحاكم، وصححه الألباني) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) (الشورى:30) ، وقال: ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) (فاطر:45) ، وقال: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الروم:41) .
- وباء الكورونا "مكروب لا يُرى بالعين المجردة" جند مِن جنود الله مسخر؛ يسلطه الله على مَن يشاء لما شاء، يدخل حدود الدول بلا إذنٍ ولا تأشيرةٍ: ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) (المدثر:31) .
- وسنة الله ماضية بأن يرسل جنوده المختلفة: (الطوفان - الجراد - القمل - الضفادع - الدم - الحاصب - الصيحة - الخسف - الغرق) على مَن عصوه، وانحرفوا عن أمره: قال الله -تعالى-: ( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (العنكبوت:40) ، ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ) (الأعراف:133) .
- سنظل نكرر... لن يرفع الوباء والبلاء إلا بالتوبة والتزام تعاليم الإسلام: قال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَ?كِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:42-43) ، وقال: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (الأنفال:33) ، وقال العباس -رضي الله عنه-: "ما نزل بلاء إلا بذنبٍ، ولا رفع إلا بتوبة" (تاريخ دمشق لابن عساكر) .
(3) الجانب الفقهي العملي: فقه التعامل مع الوباء القاتل الساري:
- الإسلام لا ينفي انتقال المرض وسريانه إلى الغير، ولكن ينفي اعتقاد الجاهلية بأن العدوى تعدي بطبعها استقلالًا، وليس بمشيئة الله وإذنه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَمن أعدى الأوَّلَ؟ ) لما سأله الأعرابي: "يا رَسولَ اللَّهِ، فَما بالُ إبِلِي، تَكُونُ في الرَّمْلِ كَأنَّها الظِّباءُ، فَيَأْتي البَعِيرُ الأجْرَبُ فَيَدْخُلُ بيْنَها فيُجْرِبُها؟" (متفق عليه) .
- وضع الإسلام أساس الحجر الصحي (1) في مكافحة الأوبئة القاتلة السارية بما يتوافق مع حقائق الطب: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ -يعني: الطاعون- بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْه ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ علَى مُصِحٍّ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كما تَفِرُّ مِنَ الأسَدِ ) (رواه البخاري) .
(4) الجانب الإيماني التربوي: أدب المسلم إذا أصابه الوباء:
يتلخص ذلك في أن يستحضر المسلم فوائد المرض التي جاء بها الشرع (2) ، ومنها: