لا تغمض عينيك
سعيد السواح • التزكية
ولكنه، والله ما ارتجف قلبه أمام جبروت فرعون وطغيانه، وما خاف من بطشه وعدوانه، فنادى في قومه مذكراً إياهم: ﴿ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَْحْزَابِ . مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ . وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ . يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد ﴾ (غافر30-33).
ثم نادى عليهم أن يسلكوا طريق الرشاد: ﴿ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ . يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾(غافر: 38، 39).
ولما اختاروا واتبعوا سبيل فرعون نادى فيهم ولم ييأس، ولم يكن للانهزامية مسلك إليه: ﴿ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ﴾ (غافر: 41، 42).
حتى قال لهم:﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ (غافر: 44).
فكانت الخاتمة ﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴾ (غافر: 45).
فهذا والله ما تنصل عن تحمل مسئولية هذا الدين، وما ألقاها بالكلية على موسى -عليه السلام-، فهذا بلسان الحال قال: أنا لها، أنا مسئول عن دين الله -تعالى-.
أفتعجز أيها الحبيب أن تكون مثله؟
الصورة الثالثة:
ليست صورة من بني آدم ولكنها من الجن، فلسان حالهم قال: أنا مسئول عن دين الله، وعن الهتاف بهذا الدين، لنُسمع كل الدنيا.
﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ . يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ (الأحقاف29-31).
فهل تراهم أيها الحبيب انتظروا لكي يأذن لهم في الدعوة لدين الله وتبليغ ما سمعوه من -النبي صلى الله عليه وسلم -أم أن الشعور بالمسئولية عن دين الله تحرك في داخلهم، فأدوا الواجب الذي عليهم لقومهم، وكأنهم سمعوا أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: (بلغوا عني ولو آية) (رواه البخاري ومسلم)، فقاموا بالامتثال بمجرد أن استمعوا إلى الأيات التي تلاها النبي -صلى الله عليه وسلم-
فلسان حالهم يقول: نحن لهذا الدين، نحن نتحمل مسئولية هذا الدين، فأدوا ذلك الواجب الذي عليهم .
أفتعجز أيها الحبيب أن تكون كهؤلاء، أكانت لديهم مقومات مفقودة عندك، أم هو التقصير والخمول وموات القلوب؟
الصورة الرابعة:
هذا الطائر الذي أنقذ الله به أمة، إنه الهدهد.
فبعد عودة هذا الهدهد من غيابه طرح هذه القضية على سليمان -عليه السلام- تلك القضية أقلقت الهدهد وأفزعته، فأصيب بالهلع والفزع عندما رأى هذه المملكة تتوجه في عبادتها لغير الله -تعالى-، فقال لسليمان -عليه السلام-:
﴿ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ . إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ . أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ (النمل22-26).
فكانت مكاتبة سليمان -عليه السلام- إلى هذه المملكة، حتى أتت هذه الملكة وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين: ﴿ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (النمل: 44).
أتعجز أيها الحبيب أن تكون كهذا الطائر الذي أنقذ الله به أمة، وكأن لسان حال هذا الهدهد بقول: أنا لهذا الدين أنا مسئول عن دين الله، فلم يقر للهدهد بالٌ عندما رآهم يسجدون للشمس من دون الله.
فهل أنقذت أنت أحداً، هل كنت سبباً في إخراج أحد من الظلمات إلى النور.
أيها المسلم الحبيب..قم وردد بصوت عال، وقل لكل الدنيا، قل للشجر والحجر والدواب وناد في الخلق: " أنا لهذا الدين".
أيها الحبيب !
إن أهل الباطل لا يستحيون من أن يرفعوا أصواتهم بالباطل، فنقول لك: ألست على الحق؟ فلماذا تًنادي على هذا الحق بصوت خافت؟
أيها الحبيب !
لا تطوينَّ الصفحات إلا وقد تحرك داخلك الشعور بأنك مسئول عن هذا الدين، فإن لم يكن هذا الشعور قد أتاك فكرر القراءة مرات ومرات وتدبر حتى تستجلبه، فإن هذا الشعور ما ينبغي أن يغيب عن المؤمن صاحب العقيدة الصحيحة الصافية، وصاحب القلب السليم.
فلا تطوينَّ الصفحات..إلا بعدما تجد هذا الشعور يسري في داخلك لتردد كل ذرة وكل قطرة من دمائك وتقول:
" أنا لهذا الدين"
