حكم التكبير الجماعي في البلكونات والخروج في مسيرات لدعاء الله تعالى برفع وباء كورونا
الشيخ ياسر برهامي • القرآن والذكر والدعاء
وعلى ذلك ترك التزام السلف لتلك الأشياء، أو عدم العمل بها، وهم كانوا أحق بها وأهلها لو كانت مشروعة على مقتضى القواعد؛ لأن الذكر قد ندب إليه الشرع ندبا في مواضع كثيرة، حتى إنه لم يطلب في تكثير عبادة من العبادات ما طلب من التكثير من الذكر، كقوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرً ) (الأحزاب:41) ، وقوله: ( وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الجمعة:10) ، بخلاف سائر العبادات.
ومثل هذا الدعاء فإنه ذكر لله، ومع ذلك فلم يلتزموا فيه كيفيات، ولا قيدوه بأوقات مخصوصة، بحيث تشعر باختصاص التعبد بتلك الأوقات، إلا ما عينه الدليل: كالغداة والعشي، ولا أظهروا منه إلا ما نص الشارع على إظهاره: كالذكر في العيدين وشبهه، وما سوى فكانوا مثابرين على إخفائه... فكل مَن خالف هذا الأصل فقد خالف إطلاق الدليل أولًا؛ لأنه قيّد فيه بالرأي، وخالف مَن كان أعرف منه بالشريعة، وهم السلف الصالح رضي الله عنهم" (الاعتصام 1/249-250) .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-: "فليس الدعاءُ برفعِ الوباءِ ممنوعًا ولا مصادمًا للمقدور من حيث هو أصلًا، وأما الاجتماع له كما في الاستسقاء، فبدعة حدثت في الطاعون الكبير سنة تسع وأربعين وسبع مائة بدمشق، فقرأت في (جزء المنبجي) بعد إنكاره على جمع الناس في موضع، قال: فصاروا يدعون ويصرخون صراخًا عاليًا، وذلك في سنة أربع وستين وسبع مائة، لما وقع الطاعون بدمشق فذكر أن ذلك حدث سنة تسع وأربعين وخرج الناس إلى الصحراء ومعظمُ أكابرِ البلدِ فدعوا واستغاثوا، فعَظُمَ الطاعونُ بعد ذلك وكَثُرَ وكان قبلَ دعائِهم أخفُّ!
قلت: ووقع هذا في زماننا حين وقع أوَّلُ الطاعونِ بالقاهرة في السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وثمان مائة، فكان عددُ مَن يموتُ بها دون الأربعين، فخرجوا إلى الصحراء في الرابع من جمادى الأولى بعد أن نودي فيهم بصيام ثلاثة أيامٍ كما في الاستسقاء، واجتمعوا ودعوا وأقاموا ساعةً ثم رجعوا، فما انسلخ الشهر حتى صار عددُ من يموت في كل يومٍ بالقاهرة فوق الألف ثم تزايد!
ووقع الاستفتاء عن ذلك فأفتى بعض الناس بمشروعية ذلك، واستند فيه إلى العمومات الواردة في الدعاء... ولو كان مشروعًا فِعلُهم ما خفيَ على السلف ثم على فقهاء الأمصار وأتباعِهم في الأعصارِ الماضية، فلمْ يبلغْنا في ذلك خبرٌ ولا أثرٌ عن المحدِّثين، ولا فرعٌ مسطورٌ عن أحدٍ من الفقهاء، وألفاظُ الدعاءِ وصفاتُ الداعي؛ لها خواصٌّ وأسرارٌ؛ يختص بها في الشرع كلُّ حادثٍ بما يليق به، والمُعتَمَدُ في ذلك الاتِّباع، ولا مَدْخَل للقياسِ في ذلك" (بذل الماعون في فضل الطاعون، ص 329-330).
فالدعاء مطلوب، ولكن كما ورد به الشرع وطبَّقه الصحابة -رضي الله عنهم-، وليس فيه الاجتماع والترتيب؛ إلا في صلاة الاستسقاء.
والحرص على الاتباع والبُعد عن الابتداع مِن أعظم وسائل رفع البلاء.
والله المستعان.