مظاهر القسوة في مجتمعنا أسباب وعلاج (23) آيات من القرآن في ذم القسوة (1)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
وتأمل كيف ربط السلف بين أنواع القلوب التي ذكرها الله -سبحانه وتعالى- وبين حال القلب والعين في الدمع عند ذكر الله، وقد قال الله -عز وجل- عن مؤمني النصارى -النجاشي وبطارقته-: ( وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) (المائدة:83) ، وكيف أن القلوب أنواع؛ منها ما يتأثر تأثرًا عظيمًا بذكر الله، ومنها ما يكون أقل تأثرًا، ومنها ما يكون فيه الخشية، ولا يصل تأثير ذلك إلى جوارح البدن: كالعين، والجلد.
ولقد قال الله -سبحانه وتعالى- في لين قلوب المؤمنين واقشعرار جلودهم: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (الزمر:23) .
وأما ( أَوْ ) التي في الآية؛ فقد رجح ابن جرير أنها للتقسيم؛ فقال: "ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة مِن الحجارة" (انتهى) .
وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- حديث الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تُكثِروا الكلامَ بغيرِ ذكرِ اللهِ، فإنَّ كثرةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ اللهِ قسوةٌ للقلبِ، وإنَّ أبعدَ النّاسِ من اللهِ تعالى القلبُ القاسي".
ورغم ضعف إسناده مرفوعًا للنبي -عليه الصلاة والسلام- فإن معناه ثابت في أدلة كثيرة؛ من أن القلوب القاسية بعيدة عن الله -عز وجل-، وأن كثرة الكلام بغير ذكره -سبحانه وتعالى- وبغير ما ينفع، يؤدي إلى قسوة القلب، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: ( أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ) قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: ( كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا )، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِم ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .
وذكر ابن كثير -رحمه الله- أيضًا حديث البزار عن أنس مرفوعًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أربعةٌ مِن الشقاءِ: جمودِ العين، وقَساوَةِ القلبِ، وطولِ الأملِ، والحرصِ على الدنيا"، وهو كالذي قبله وإن كان ضعيف الإسناد؛ إلا أن معناه من أجمل المعاني التي نحتاج إليها في كل أوقاتنا حتى نتجنب هذه الأسباب التي تؤدي إلى شقاء الإنسان.