أسباب خصوصية شهر شعبان عند النبي -صلى الله عليه وسلم-
الشيخ سعيد محمود • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- شهر شعبان له خصوصية عند النبي -صلى الله عليه وسلم-: فعن أسامة بن زيد -رضى الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْراً مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ. قَالَ: ( ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
- الإشارة إلى الأسباب الثلاثة التي مِن أجلها خص النبي -صلى الله عليه وسلم- شهر شعبان بزيادة عمل.
السبب الأول: فضل العبادة في زمن الغفلة: ( ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ ).
- عظيم أجر العبادة في أوقات غفلة الناس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( العِبادةُ في الهرَجِ كالهِجرةِ إليَّ ) (رواه مسلم) ، قال النووي -رحمه الله- في شرح مسلم: "الْمُرَادُ بِالْهَرْجِ هُنَا الْفِتْنَةُ وَاخْتِلَاطُ أُمُورِ النَّاسِ، وَسَبَبُ كَثْرَةِ فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ يَغْفُلُونَ عَنْهَا، وَيَشْتَغِلُونَ عَنْهَا، وَلَا يَتَفَرَّغُ لَهَا إِلَّا أَفْرَادٌ".
- وقد انشغل الناس في هذه الأيام بنازلة وباء الكورونا الذي أحدث في الارض انقلابًا واضطرابًا غير مسبوق : (إغلاق حدود الدول - بل حدود الولايات داخل الدولة الواحدة - توقف التبادل التجاري وحركة الملاحة الجوية والبحرية والبرية - خوف وفزع وهلع - تعطيل الوظائف والأعمال - إلغاء التجمعات والفعاليات - اضطراب العلاقات بين الناس - غلق المساجد ومنع الجمع والجمعات - خلو البيت الحرام من الطائفين العاكفين والركع السجود - خسائر اقتصادية لا حصر لها - حديث وسائل الإعلام على مدار الساعة)، الكل مشغول... !
- استغلال مواسم الخير من أعظم أسباب رفع البلاء النازل على أهل الارض: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( افْعَلوا الخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فإنَّ للهِ نَفَحاتٍ من رحمتِهِ، يُصِيبُ بِها مَنْ يَشَاءُ من عبادِهِ، وَسَلوا اللهَ أنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وأنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .
السبب الثاني: الاستعداد لشهر رمضان: ( بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ ).
- كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر الصيام في شعبان تنبيهًا للغافلين بقرب رمضان: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ" (رواه البخاري) . ولمسلم عنها: "كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيلًا".
- التنبيه إلى فضل رمضان الذي هو أعظم مواسم العبادة في العام: قال -تعالى-: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (البقرة:185) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ... ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) ، وفيه: ( تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ).
- هنيئًا لمَن أدرك شهر رمضان واستعد له الآن: عن طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِىٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَكَانَ إِسْلاَمُهُمَا جَمِيعًا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّىَ. قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِهِمَا فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّىَ الآخِرَ مِنْهُمَا ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ. فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: ( مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ )؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ وَدَخَلَ هَذَا الآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟ ) قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ( وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟ ) قَالُوا: بَلَى. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .
السبب الثالث: شهر شعبان تختم فيه أعمال العام: ( وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ).
- تنوع رفع الأعمال (يومي - أسبوعي مرتين - سنوي) حيث يكون ختامها في شعبان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إنَّ اللَّهَ -عزَّ وجلَّ- لا يَنامُ، ولا يَنْبَغِي له أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ).
- الصيام مِن أجلِّ الأعمال التي يختم بها العمل: (الدعاء - قراءة القرآن - قيام الليل - الصدقة - صلة الارحام والأقارب - الدعوة إلى الله - التسبيح والذكر - مجالس العلم - ... ): قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الله -تبارك وتعالى-: ( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي ) (رواه مسلم) ، وقال: ( مَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (رواه أحمد، وقال الألباني: صحيح لغيره) .
وعن أبي أُمامة -رضي الله عنه- قال: أَنْشَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- غَزْوًا، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ. قَالَ: ( اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ )، فَغَزَوْنَا فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا، ثُمَّ أَنْشَأَ غَزْوًا آخَرَ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ. قَالَ: ( اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ )، فَغَزَوْنَا فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا، ثُمَّ أَنْشَأَ غَزْوًا آخَرَ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَيْتُكَ تَتْرَى ثَلاَثًا، أَسْأَلُكَ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَقُلْتَ: ( اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ )، فَغَزَوْنَا فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا، فَمُرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَمْرٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ. قَالَ: ( عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لاَ مِثْلَ لَهُ ). قَالَ: وَكَانَ أَبُو أُمَامَةَ لاَ يَكَادُ يُرَى فِي بَيْتِهِ الدُّخَانُ بِالنَّهَارِ، فَإِذَا رُئِيَ الدُّخَانُ بِالنَّهَارِ عَرَفُوا أَنَّ ضَيْفاً اعْتَرَاهُمْ مِمَّا كَانَ يَصُومُ هُوَ وَأَهْلُهُ! (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
نسأل الله أن يعيننا على طاعته في شعبان، وأن يبلغنا رمضان.
والحمد لله رب العالمين.