شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (24) آيات من القرآن في ذم القسوة (2)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

عن قتادة: ( وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ) قال: على خيانة وكذب وفجور. وعن مجاهد: ( وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ) قال: هَمَّ يهودُ مِثْلُ الذي همُّوا به من النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم دخل حائطهم.

قال: والصواب مِن التأويل في ذلك: أنَّ الله عنى بهذه الآية؛ القوم مِن يهود بني النضير الذين همُّوا بقتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، إذ أتاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستعينهم في دية العامريّين؛ فأطلعه الله -عز ذكره- على ما قد همُّوا به، ثم قال -جل ثناؤه- بعد تعريفِه أخبار أوائلهم، وإعلامه منهج أسلافهم، وأنَّ آخرهم على منهاج أوّلهم في الغدر والخيانة؛ لئلا يكبُر فعلُهم ذلك على نبيّ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال -جل ثناؤه- ولا تزال تطَّلع من اليهود على خيانة وغدرٍ، ونقضِ عهد.

قال: وقوله: ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ): هذا أمر مِن الله -عز ذكره- لنبيَّه محمد -صلى الله عليه وسلم- بالعفو عن هؤلاء الذين همُّوا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود، يقول الله -جل وعز- له: اعفُ يا محمد عن هؤلاء اليهود الذين همُّوا بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جُرْمهم بترك التعرُّض لمكروههم؛ فإني أحب مَن أحسنَ العفو والصَّفح إلى مَن أساء إليه.

وكان قتادة يقول: هذه منسوخة، ويقول: نسختها آية براءة: ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ... ) الآية (التوبة:29) .

قال: والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانهُ، غير أن الناسخ الذي لا شك فيه من الأمر؛ هو ما كان نافيًا كلَّ معاني خلافهِ الذي كان قبله، فأمَّا ما كان غير نافٍ جميعَه؛ فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلا بخبرٍ مِن الله -جل وعز- أو من رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وليس في قوله: ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ) دلالةٌ على الأمر بنفي معاني الصَّفح والعفو عن اليهود؛ إذ كان ذلك كذلك، وكان جائزًا مع إقرارهم بالصَّغار وأدائهم الجزية بعد القتال، الأمرُ بالعفو عنهم في غَدْرة همُّوا بها، أو نكثةٍ عزموا عليها، ما لم يَنْصِبُوا حربًا دون أداء الجزية، ويمتنعوا من الأحكام اللازمَتِهم، لم يكن واجبًا أن يُحْكم لقوله: ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ... ) الآية، بأنه ناسخ قوله: ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (انتهى باختصارٍ وتصرفٍ يسيرٍ) .

الصفحة السابقة