شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (27) آيات من القرآن في ذم القسوة (5)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في الصارم المسلول ص 221: "فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون".

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: "( وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) (الأنفال:61) ، قال ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، وعكرمة، والحسن، وقتادة: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في "براءة": ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ... ) الآية"، وفيه نظر؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك؛ فأما إذا كان العدو كثيفًا؛ فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم) (انتهى) .

والصحيح أن هذا نوع من التخصيص، قال القرطبي -رحمه الله-: "قال ابن العربي: قد قال الله -تعالى-: ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ ) (آل عمران:139) ؛ فإذا كان المسلمون على عزة ومنعة، وجماعة عديدة، وشدة شديدة؛ فلا صُلْح، وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح؛ بنفع يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه؛ فلا بأس أن يبتدأ المسلمون إذا احتاجوا إليه، وقد صالح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم، وقد صالح الضَّمريَّ وأُكيدر دومة وأهْلَ نجران، وقد هادن قريشًا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده، وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة، والوجوه التي شرحناها عاملة.

وقال الشافعي -رحمه الله-: لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين على ما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية؛ فإن هودن المشركون أكثر من ذلك؛ انتقض؛ لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية. وقال ابن حبيب من المالكية: تجوز مهادنتهم السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة" (انتهى) .

ولقد بيَّنا تفاصيل هذه المسألة في كتابنا: "وثيقة المدينة"، وبيَّنا أن الصحيح التفريق بين العهد المطلق وبين العهد المؤقت -الهدنة-، والمقصود أن يقوى المسلمون فينبذوا إليهم على سواء قبل قتالهم، كما بيَّنه ابن القيم -رحمه الله- في أحكام أهل الذمة.

قال ابن حجر -رحمه الله- في الفتح: "قال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيء يعطونهم؛ لأن القتل للمسلمين شهادة؛ ولأن الإسلام أعز أن يعطي المشركين على أن يكفوا عنهم؛ إلا في حالة مخافة اصطلام المسلمين لكثرة العدو؛ لأن ذلك مِن معاني الضرورات، وكذلك إذا أُسِرَ رجلٌ مسلمٌ فلم يُطلق إلا بفدية جاز".

قال ابن قدامة -رحمه الله- في المغني: "لا تجوز المهادنة مطلقًا من غير تقدير مدة؛ لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية. وقال: وتجوز مهادنتهم على غير مال؛ وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم؛ فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه، وهو مذهب الشافعي؛ لأن فيه صغارًا على المسلمين، وهذا محمول على غير حالة الضرورة؛ فأما إذا دعت إليه الضرورة؛ وهو أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر فيجوز؛ ولأن بذل المال إن كان فيه صغار؛ فإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه؛ وهو القتل والأسر وسبي الذرية الذين يفضي سبيلهم إلى كفرهم" (المغني 8/ 459 -461) .

قال الشيباني في السير الكبير (92/ 16): "وإذا خاف المسلمون المشركين فطلبوا موادعتهم؛ فأبى المشركون أن يوادعوهم حتى يعطيهم المسلمون على ذلك مالًا؛ فلا بأس بذلك عند تحقق الضرورة" (انتهى) .

وبهذه النقول كلها يتضح لك أنه لا خلاف بين السلف أن الأمر بالقتال للكفار حتى يعطوا الجزية إنما هو حسب الإمكان والقدرة، وأما ما لا قدرة عليه فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولكن عليهم الأخذ بأسباب القدرة حتى يزول عنهم هذا الاضطرار، والله أعلى وأعلم.

الصفحة السابقة