شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (28) آيات من القرآن في ذم القسوة (6)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:42-45) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ ) يعني: الفقر والضيق في العيش، ( وَالضَّرَّاءِ ) وهي الأمراض والأسقام والآلام، ( لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) أي: يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون. قال الله -تعالى-: ( فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ) أي: فهلَّا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا لدينا، ( وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) أي: ما رقّت ولا خشعت، ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أي: مِن الشرك والمعاندة والمعاصي.

( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ) أي: أعرضوا عنه وتناسوه، وجعلوه وراء ظهورهم.

( فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ) أي: فتحنا عليهم أبواب الرزق مِن كل ما يختارون، وهذا استدراجٌ منه -تعالى- وإملاءٌ لهم، عياذًا بالله من مَكْرِهِ؛ ولهذا قال: ( حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا ) أي: مِن الأموال والأولاد والأرزاق، ( أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ) أي: على غفلة، ( فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) أي: آيسون من كل خير.

قال الوالِبِيّ عن ابن عباس: المُبْلِس: الآيس.

وقال الحسن البصري: مَن وسَّع اللهُ عليه فلم يرَ أنه يُمْكَرُ به؛ فلا رأي له، ومَن قُتِّرَ عليه فلم يرَ أنه يُنْظَرُ له؛ فلا رأي له، ثم قرأ: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) قال الحسن: مُكِرَ بالقوم وربِّ الكعبة؛ أُعْطُوا حاجتَهم ثم أُخِذُوا. رواه ابن أبي حاتم.

وقال قتادة: بَغَتَ القومَ أمرُ الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وغَرَّتِهم ونعيمهم؛ فلا تَغْتَرُّوا بالله، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. رواه ابن أبي حاتم أيضًا.

وقال مالك عن الزهري: ( فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ) قال: رخاء الدنيا ويُسرها.

وروى الإمام أحمد -(قلتُ: بسند فيه ضعف)- عن عقبة بن عامر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا -على معاصيه- ما يحب، فإنما هو استدراج، ثم تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ).

وروى ابن أبي حاتم: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: إذا أرادَ اللهُ بقومٍ بقاءً -أو نماءً- رزقَهُمُ القصدَ والعفافَ، وإذا أرادَ اللَّهُ بقومٍ اقتطاعًا؛ فتحَ لَهُم -أو فتحَ علَيهم- بابَ خيانةٍ، ( حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) كما قالَ: ( فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ )" (انتهى) .

قال ابن جرير -رحمه الله- في تأويل قوله: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ): "يقول -تعالى ذكره- متوعدًا لهؤلاء العادلين به الأصنامَ، ومحذِّرَهم أن يسلك بهم -إن هم تمادَوا في ضلالهم- سبيلَ مَن سلك سبيلهم مِن الأمم قبلهم، في تعجيل الله عقوبته لهم في الدنيا، ومخبرًا نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- عن سنته في الذين خلوا مِن قبلهم مِن الأمم على منهاجهم في تكذيب الرسل: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا ) يا محمد، ( إِلَى أُمَمٍ ) يعني: إلى جماعات وقرون، ( مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ ) يقول: فأمرناهم ونهيناهم؛ فكذبوا رسلنا، وخالفوا أمرنا ونهينا؛ فامتحناهم بالابتلاء، ( بِالْبَأْسَاءِ ) وهي شدة الفقر والضيق في المعيشة، ( وَالضَّرَّاءِ ) وهي الأسقام والعلل العارضة في الأجسام. ( لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) يقول: فعلنا ذلك بهم ليتضرعوا إليّ، ويخلصوا إليّ العبادة، ويُفْردوا رغبتهم إليَّ دون غيري بالتذلل منهم لي بالطاعة، والاستكانة منهم إليّ بالإنابة.

وفي الكلام محذوفٌ قد استغني بما دلّ عليه الظاهر مِن إظهاره دون قوله: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ ) وإنما كان سبب أخذه إياهم تكذيبهم الرسل، وخلافهم أمرَه؛ لا إرسال الرسل إليهم؛ وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى الكلام: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ) رسلًا فكذبوهم ( فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ ).

و"التضرع": هو "التفعل" من "الضراعة"، وهي الذلة والمسكنة.

الصفحة التالية