قبسات من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
أبو بكر القاضي • السيرة والتاريخ
قال ابن فضل العمري أحد معاصريه: "كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث، فيهب ذلك بأجمعه ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه لا يأخذ منه شيئًا إلا ليهبه ولا يحفظه إلا ليتصدق به؛ وكان يتصدق حتى إذا لم يجد شيئًا نزع بعض ثيابه فيصل به الفقراء".
وأما هضمه لنفسه ورده الإساءة بالإحسان ونبله مع أعدائه ففي ??? هـ حين أطلق سراحه خلا به السلطان واستفتاه في قتل أولئك القضاة الذين قاموا بحماية جاشنكير، وأفتوا بعزل السلطان، وأوشوا بشيخ الإسلام وعرَّضوه للقتل؛ زاد السلطان وقال: "إنهم أثاروا عليك الضجة والأقاويل وآذوك"، فما وسع ابن تيمية إلا أن مدحهم، وأثنى عليهم أمام السلطان، وشفع لهم بالعفو والصفح، ومنعه مِن قتلهم، وقال: "إنك إن قتلتهم لن تجد مثلهم!".
قال ابن القيم -رحمه الله-: "كان يدعو لأعدائه، ما رأيته يدعو على واحد منهم، وقد نعيتُ إليه يومًا أحد معارضيه الذي كان يفوق الناس في إيذائه وعدائه، فزجرني وأعرض عني وقرأ: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، وذهب الساعة إلى منزله فعزى أهله، وقال: "اعتبروني خليفة له ونائبًا عنه، وأساعدكم في كل ما تحتاجون إليه! وتحدث معهم بلطف وإكرام بعث فيهم السرور، فبالغ في الدعاء لهم حتى تعجبوا منه!".
الخصومات تظهر متانة الديانة والمعدن؛ ولذلك نحن نحتاج كما تعلمنا فقه الخلاف نظريًّا أن نتعلم أخلاق الخلاف في ظل تلك المنازعات والخصومات التي تعصف بالعمل الإسلامي، وننتهج نهج الأنبياء والرسل في الصبر والاحتساب والإحسان، وقد أبدع شيخ الإسلام في طرح هذه المسألة في قاعدته في الصبر مع ضرب أروع أمثلة النبل والمروءة والشهامة عمليًّا حتى شهد بذلك أعداؤه.
قال ابن مخلوف المالكي: "ما رأيت كريمًا واسع الصدر مثل ابن تيمية، فقد أثرنا الدولة ضده، ولكنه عفا عنا بعد المقدرة حتى دافع عنا وقام بحمايتنا".
هذا الغنى العالي، وهو غنى النفس بالله عن رغبات الانتقام والعلو، والغل والحقد والحسد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ ) (متفق عليه) .
هذه السعادة والسرور بالله كان يغنيه عن كل شيء، وهذا الحال الذي كان يشغل قلبه ونفسه -رحمه الله- كما نقل عنه ابن القيم -رحمه الله-: "قال مرة: إن في الدنيا جنة مَن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة".
وكان يقول: "ما يصنع أعدائي بي إن جنتي وبستاني في صدري إن رحت فهي معي لا تفارقني".
ولم تفارقه طيلة حياته رغم سني السجن، والأذى والمحن، وكان معلمًا وقدوة وأسوة لأصحابه وطلابه، وأهل عصره.
قال ابن القيم -رحمه الله- في المدارج: "زارني ذات ليلة في الرؤيا، وذكرت له بعض أعمال القلوب. فقال: أما أنا فطريقي السرور به والفرح به. قال ابن القيم: وهكذا كان حاله في الحياة، ويبدو ذلك على ظاهره وينادي عليه حاله".
وهذه هي المصالحة بين القول والفعل، والعلم والعمل، والتنظير والسلوك في شخصياتنا ودعوتنا وإصلاحنا، والعمل الإسلامي المعاصر؛ فالناس شبعى الآذان من المواعظ والخطب، جوعى العيون لترى ذلك في الخلق والسلوك والسمت؛ فطوبى لعبدٍ كان واعظًا للناس بلحظه قبل لفظه، وبخلقه قبل كلامه!