حنين الأنامل وأنينها
سعيد محمد السواح • التزكية
وتقول لك أناملك: فهؤلاء أيها الحبيب، الذين قال الله عنهم في سورة الجاثية: (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ . وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون . وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ . ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) (الجاثية:32 - 35).
وتقول لك أناملك: أتذكر يا صاحبي عندما قلبت لك صفحات مصحفك، و توقفنا عند سورة فاطر، للنظر ما هي الأمنية التي يتمناها هؤلاء عندما يكبون على وجوههم ومناخرهم في النار. (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) (فاطر:37).
أو تذكر ما رُدَ به على هؤلاء وعلى مطلبهم؟ (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) (فاطر:37).
وتقول لك أناملك: أوتذكر يا صاحبي عندما كنت أُقلب صفحات مصحفك وأنت تقرأ في سورة الكهف، حتى وقفت على حال القوم عند نشر هذه الدواوين التي سطرت من أعمال الإنسان؟! (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَ أحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف:49).
وتقول لك أناملك: أوتذكر يا صاحبي حال هؤلاء القوم، وهم يتلقفون هذه الكتب إذا نُشرت عليهم يوم القيامة، ويرى فرح وسرور من وفق أن يتناولها بيمينه، وحزن وكرب وكآبة من تلقفها بشماله؟!
أوتذكر هذا المشهد عندما وصلنا إلى سورة الحاقة حيث يقول الله -تعالى-: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ . إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيهْ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ . فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ . قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) (الحاقة:19-24).
وكيف كان شوقك أن تكون من تلك الطائفة، وكيف انفرجت أساريرك وأنت تطالع حال هذه الطائفة الفائزة الناجية؟! وكيف ألم بك الفزع والخوف عندما انتقلت بك إلى الصورة الأخرى المقابلة لهذه الصورة؟ (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ . وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ . يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ . مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ . هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ) (الحاقة:25 - 29).
وعندها ينادي على زبانية جهنم: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ . ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) (الحاقة:30-32).
ثم ذكرت الآيات أسباب هذه العقوبة: ( إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ . فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ . وَلاَ طَعَامٌ إِلا َّمِنْ غِسْلِينٍ . لاَ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطئُونَ ) (الحاقة:33- 37).
فكم كان فزعك حتى قررت في نفسك أنك لن تكون -بإذن الله- وقوداً للنار، وإنك ستجتهد أن تكون من الطائفة الأولى، وأنك سوف تفعل وتفعل وتفعل! عهود ووعود ومواثيق، ولكنها ذهبت بعد ذلك بعد انقضاء رمضان مع الريح، حيث ذهبت بهذه الوعود والعهود والمواثيق إلى مكان سحيق.
إن أناملك ما زال لديها المزيد، ولكنها تحتاج منك إلى الإنصات، فلتعطها الفرصة، لكي تستمتع إلى أنينها ولتنصت إليها بقلب واع، فإنها ما أرادت إلا تذكيرك بعهودك السابقة بهذه الأيام التي عاشت فيها الأنامل أحسن الأيام والذكريات.
فإن قلت لها تكلمي لقالت لك: أتذكر أيها الصاحب والصديق، أتذكر عندما وقفنا سويا على مشهد الناس يوم القيامة بعدما قضى الله بين العباد، وميز أهل الجنة عن أهل النار، وإذا بقائد يقود أهل النار إلى وطنهم ويسوق أهل الجنة إلى وطنهم؟
أتذكر عندما كنا نتصفح المصحف حتى وقفنا عند سورة الزمر، حيث يقول الله -تعالى-: ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ . قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) (الزمر:71-72).
(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ . وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (الزمر:73-74).
وإذا بأناملك أيها الحبيب تعود بك إلى سورة الأعراف، لتستكمل لك صورة أهل الجنة وأهل النار بعدما استوطن كل فريق في وطنه.
( وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ . الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ) (الأعراف:44-45).
