شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات مع قصة البقرة والذئب اللذين تكلما (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- يربي أصحابه وعموم أمته بالقصة الهادفة التي تنفعهم في دينهم ودنياهم: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: صَلَّى رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أقْبَلَ علَى النَّاسِ، فَقالَ: ( بيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا، فَقالَتْ: إنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهذا، إنَّما خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ ) فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ، فَقالَ: فإنِّي أُومِنُ بهذا، أنَا وأَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وما هُما ثَمَّ، ( وبيْنَما رَجُلٌ في غَنَمِهِ إذْ عَدَا الذِّئْبُ، فَذَهَبَ منها بشَاةٍ، فَطَلَبَ حتَّى كَأنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا منه، فَقالَ له الذِّئْبُ هذا: اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فمَن لَهَا يَومَ السَّبُعِ، يَومَ لا رَاعِيَ لَهَا غيرِي؟! )، فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ، قالَ: ( فإنِّي أُومِنُ بهذا أنَا وأَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ ) وما هُما ثَمَّ. (متفق عليه) .

- إشارة إلى الوقفات التالية حول القصة بعد شرح إجمالي للحديث.

(1) أهمية الوعظ في إصلاح القلوب:

- الوعظ في الجملة: هو الترغيب والترهيب بكل ما يحمل النفوس على الجد في الطاعات، واجتناب المنهيات: كالتذكير بالموت والقبور، والجنة والنار، وعلامات الساعة، وقيمة العمر، والتنفير من المحرمات، والترغيب في الطاعات.

- أهمية الوعظ لا سيما بعد صلاة الفجر: ففي القصة، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "صَلَّى رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أقْبَلَ علَى النَّاسِ، فَقالَ: ... ).

- أثر الوعظ على القلوب: ففي حديث حنظلة قال: يا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حتَّى كَأنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِن عِندِكَ، عَافَسْنَا الأزْوَاجَ وَالأوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ إنْ لو تَدُومُونَ علَى ما تَكُونُونَ عِندِي، وفي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ علَى فُرُشِكُمْ وفي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (رواه مسلم) .

- الوعظ بشقيه: (الترغيب والترهيب) يصلح القلوب، فيظهر أثر ذلك على الجوارح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ ) (رواه مسلم) .

- بعض طلبة العلم ولا سيما في زمن الاتصالات الحديثة، أهملوا جانب الوعظ والتعبد؛ بسبب كثرة الجدل والتنظير في العلوم الكلامية، فكان الخلل في التربية والمنهجية؛ فأدَّى إلى التقصير في جوانب كثيرة، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبتواضعه إذ الناس يختالون، وبحزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخوضون" (رواه الآجري في كتاب أخلاق أهل القرآن) ، وعنه -رضي الله عنه- قال: "ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية" (الدر المنثور) .

(2) بيان عظيم قدرة الله في خلقه:

- النبي -صلى الله عليه وسلم- من خلال القصة، يبين لهم عظيم قدرة الله في خلقه، بمثال جريان بعض الأمور على غير المألوف، ففي القصة: "فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ"، وفيها: "فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ".

- في خلق الله وقدرته صور كثيرة من كلام الحيوان للإنسان بلغته، وكلام الإنسان للحيوان بلغته، والله على كل شيء قدير: قال -تعالى-: ( حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ ) (النمل:18-19) ، وقال: ( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإ يَقِينٍ ) (النمل:22) ، وعن عبد الله بن جعفر قال: دخل النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حائطًا لرجلٍ من الأنصارِ فإذا فيه جملٌ فلمَّا رأَى النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حنَّ وذرِفت عيناه فأتاه رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-فمسَح ذِفراه فسكت، فقال: من ربُّ هذا الجملِ؟ لمن هذا الجملُ؟ فجاء فتًى من الأنصارِ فقال: لي يا رسولَ اللهِ، فقال: ( أفلا تتَّقي اللهَ في هذه البهيمةِ الَّتي ملَّكك اللهُ إيَّاها؛ فإنَّه شكَى إليَّ أنَّك تُجيعُه وتُدئِبُه ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية