وثيقة ترشيد العمل الجهادي... وآفاق جديدة للعمل مِن أجل الإسلام
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
وهذه فائدة عزيزة تمنع مِن الاتهام بالإرجاء لعلماء أفاضل تكلموا في هذه المسألة، وبينوا أن الحكم بغير ما أنزل الله يشمل القسمين: الكفر الأكبر -بما فيه تبديل الشريعة-، والأصغر -وهو مخالفة الشرع في التطبيق لرشوة أو هوى- كما بينه الشيخ محمد بن إبراهيم في فتواه المعروفة.
وكان هؤلاء العلماء يعَدّون عند مَن يقرأ المؤلفات السابقة إما غلاة في الإرجاء أو مِن علماء السلطان الذين شربوا مِن ماله حتى الثمالة.
ومما تجدر الإشارة إليه أنه حتى في حالة الكفر الأكبر فإنه لا يطبَّق الحكم على المعيَّن إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وهو معنى أشارت إليه الوثيقة في مواطن متعددة، وأسندت تطبيقه إلى القضاء الشرعي لا إلى العوام.
فنود أن نقرأ في الطبعات الجديدة مِن هذه المؤلفات حذف هذه الأوصاف المؤلمة لعلمائنا الأجلاء كالشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، والعثيمين -رحمهم الله تعالى-، وكذلك حذف وصف التكفير عن فصائل في الصحوة الإسلامية كـ"الجماعة الإسلامية" في مصر، و"الإخوان المسلمين"، و"جبهة الإنقاذ" في الجزائر تطبيقًا لهذه القواعد التي بينها.
ونود أن تـُفتح صفحة جديدة في الحوار بيْن أهل الإسلام عمومًا، وأهل العلم -خصوصًا في أدب الحوار حتى مع الاختلاف-، وحسن الظن بأهل العلم، وحمل كلامهم على أحسن المحامل؛ وحتى لو ثبت الخطأ، بل البدعة، فلا بد مِن إعمال قواعد التفرقة بيْن النوع والعين في مسائل التبديع والتفسيق أيضًا؛ خاصة مع الاجتهاد في الوصول إلى الحق، ونَكِلُ السرائرَ إلى الله -تعالى-، وخصوصًا بعد اتساع دائرة الاتفاق إلى حدود عظيمة -بفضل الله-.
فالقارئ لمراجعات "الجماعة الإسلامية" ممثلة في كتبها الأربع، ووثيقة د."فضل"، ومقالات صوت الدعوة التي كانت تصدرها الدعوة السلفية في "فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، و"فقه الجهاد في سبيل الله"، و"مناهج التغيير" التي طبعت سنة1993م وما قبلها؛ يجد -بحمد الله- اتفاقـًا كبيرًا في الخطوط العريضة لسلوكيات الحركة الإسلامية؛ فعسى أن يكون ذلك سببًا لقطع داء الترامي بالتهم، وانتهاك الأعراض، والسباب والشتم.
وبعد هذه القراءة المختصرة لبعض ما جاء في الوثيقة نودُّ أن نوجِّه نصيحة إلى الرافضين لهذه الوثيقة في الداخل والخارج أن يقرؤوها قراءة متأملة، فلن يجدوا فيها ما يكرهون مِن تنازل عن العهد والمبادئ الإسلامية، بل نزولاً على مقتضى الأدلة مِن الكتاب والسُّنة، وألا تمنعهم حدة الدكتور "سيد إمام" على رفقاء الماضي في بعض المواطن مِن قبول ما قاله مِن الحق، ولعله رأى لنفسه مِن المكانة الأدبية لديهم ما يسمح له بذلك.
- وفي الجملة جاءت الوثيقة بروح جديدة حقـًّا، تفتح أبوابًا لتغيير النظرة تجاه أبناء الحركات الجهادية، بل وأبناء الصحوة الإسلامية عمومًا؛ فهم ليسوا أعداء أمتهم ولا أنهم الإرهابيون الذين يخشى على أمن البلاد والعباد منهم، بل هم مِن أحرص الناس على مصلحة الأمة، ومِن أعظمهم رغبة في أمن المسلمين والمعصومين، وحفظ دمائهم وأعراضهم وأموالهم، ومِن أعظم الناس نصيحة للأمة، وسعيًا في عزها وكرامتها.
وهم بالالتزام بما حوته هذه الوثيقة وما سبقها مِن مراجعات وكتابات لطوائف أخرى مِن أبناء الصحوة تحمل نفس المضمون يضعون أنفسهم وإخوانهم على طريق جديد لإصلاح المجتمع والأمة وحفظ دينها وحرمتها، وإغلاق باب التحفز والتحيز ضد مظاهر الالتزام بالدين أو الاستعداء لكل مَن يظهر شيئًا مِن علامات هذا الالتزام، أو الاضطهاد والمطاردة بمجرد الانتماء لأي فصيل مِن فصائل الصحوة بتهمة التطرف والإرهاب.
وهذه الآفاق الجديدة التي نرجوها في علاقة سوية بيْن طوائف المجتمع والأمة مِن أعظم أسباب قوة البلاد وعزها وصلاحها، ومنع أعداء الإسلام مِن استغلال التفرق والتمزق في تحقيق أغراضهم من حصار الدين، وكسر المتدينين، والتسلط على بلاد المسلمين.
نسأل الله -تعالى- أن يحفظ الأمة الإسلامية، وينصرها على مَن عاداها، وأن يعيد لها أمنها وعزها وكرامتها، وأن يجعلنا مِن عباده الصالحين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجمع على الحق كلمتنا، وأن يؤلف بيْن قلوبنا، ويصلح ذات بيننا، وأن ينصرنا على عدوه وعدونا، إنه هو العزيز الحكيم.
