العلمانية
طلعت مرزوق • قضايا معاصرة
ويُسمي ماركس أجر العامل "بالقيمة الخادعة"، ويرى أن الرأسمالي يستغل العمال، ما سيؤدي إلى الإكراه على نزع الملكية الخاصة مِن الرأسماليين، وتذويب هذه الفوارق للوصول إلى المجتمع اللاطبقي.
ثالثا: أن علمانية السياسي الروسي فلاديمير لينين LENIN 1870 – 1924 ، ينتهي أمرها إلى إلغاء المسيحية كدين، ووضع "البلشفية" -أي: الماركسية اللينينية- كدينٍ جديدٍ بدلًا منها.
وهذا الدين الجديد يجب أن يكون في خدمة الواقع الذي هو "الحزب" ، والحزب يأخذ في هذا الدين الجديد مكان "العبادة" عِوضًا عن "الله" في المسيحية -تعالى الله عما يقول علوًّا كبيرًا-، ومكان القداسة عوضًا عن الكنيسة.
أهم خصائص الفكر الفلسفي العلماني في أوروبا:
- أن دافع العلمانية في القرنين: السابع عشر، والثامن عشر، كان هو التنازع على السلطة بين الدولة والكنيسة؛ ولذا كان الفصل بين السلطتين هو الحل الفلسفي، أو الرسمي لهذا التنازع.
- أن الدافع إلى العلمانية في القرن التاسع عشر، أو فيما يُسمَّى بين اليسار الثوري أو المتطرف في مدرسة هيجل، هو الاستئثار بالسلطة؛ ولذا كانت العلمانية غير مساوية لمفهوم الفصل بين الدولة والكنيسة، بل كانت إلغاء الثنائية بهدم الدين كمقدمة ضرورية للوصول إلى السلطة المنفردة التي هي سلطة "جماعة العمل" أو "المجتمع" أو "الدولة" أو "الحزب" حسب تحديد بعض هؤلاء اليساريين المتطرفين.
- أن البحوث الطبيعية والتقدم العلمي بالتدريج منذ نهاية القرون الوسطى هي التي جرأت أرباب هذا الفكر العلماني على الخروج على وصاية الكنيسة، وعلى الاستقلال في النشاط الإنساني وحركة المجتمع عن أي رأي يصدر منها.
- أن الفكر الفلسفي العلماني في مرحلتيه لم يسلم في أوروبا مِن مواجهة فكر فلسقي آخر مُعارض، فقد قامت مدرسة كمبردج بمعارضة هوبز HOBBES ؛ أشد المفكرين صلابة ضد الكنيسة في مرحلة العلمانية الأولى.
كما قام كثير في المرحلة الثانية منها بمعارضة المادية عند فيرباخ FEUERBACH ، والمادية التاريخية عند كارل ماركس KARL MARX ، وبنقض الأسس الفلسفية التي تبناها الاتجاه المادي المعاصر، سواء أكانت أسسًا تنتهي إلى دائرة البحث الطبيعي، أو إلى دائرة الاقتصاد.
وأبرز المعارضين لهذا الاتجاه المادي: كتلة المنشقين اليساريين مِن أتباع الألماني برنشتين EDUARD BERNSTEIN الذين لُقِبوا مِن أعدائهم اليساريين بالمرتدين.
ثم ما قام به في القرن العشرين مِن معارضة الفيلسوف الاجتماعي الألماني ماكسيمليان فيبر WEBER لأساس الاقتصاد بصفة خاصة، وبلغ مِن تأثير ما نالته المعارضة مِن هذا الاتجاه المادي أن أصبح يوصف في الفكر الأوروبي نفسه بالثورية دون أن يوصف بالفلسفي؛ الأمر الذي يدل على أنه يعبِّر عن عاطفة وحماس أكثر منه تعبيرًا عن فكرة وتأمل.
- أن الموطن الذي وُلِد فيه الفكر العلماني في مرحلتيه وهو إنجلترا وفرنسا وألمانيا، لم يأخذ بالاتجاه العلماني في التطبيق في الحياة العملية؛ فالتاج البريطاني لم يزل حاميًا للبروتستانت، وفرنسا لم تزل حامية الكاثوليكية في صورة عملية، والدولة في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا -رغم إعلان أنها دول علمانية- تساعد المدارس الدينية مِن ضرائبها الخاصة التي تجبيها مِن المواطنين، مع علمها باستقلال هذه المدارس في برامجها التعليمية، وبعدها عما تجريه الدولة مِن تفتيش على النفقات التي تنفقها.
والجانب الآخر الذي يتبنى البلشفية كدين وكسياسة بدل المسيحية في أوروبا الشرقية، لم يأخذ منذ الستينيات بسياسة التعايش السلمي فقط مع الرأسمالية الغربية، وإنما يأخذ كذلك بسياسة حُسن العلاقات مع دولة الفاتيكان.