شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التذكير ببعض معاني التكبير

محمد رجب • التزكية

وفي قوله -تعالى-: ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) (النساء:34) تنبيه على تعبد لازم للقلب بهذا الاسم الجليل حال كون العبد متعاطيًا لسبب يرفعه على غيره، كما في علاقة الزواج، فناسب في مقام مطالبة الزوج بالتجاوز والعفو مع التمكن من ضده أن يأتي بهذين الاسمين، فإنه يغيب بشهود علوِّ الله -تعالى- على جميع خلقه عن شهود علوِّه على أهله، ويفنى ما أُعطي من أسباب الكِبَر على زوجه بما يرى من مطلق كبَر الله -تعالى-، والله تعالى أعلم.

الإشارة الثانية:

التكبير من أظهر شعائر الدين والإيمان، وأكثر الذكر تردد ً ا على اللسان، فانظر كيف صار شعار الإسلام في أذان الصلاة؟! بل ما اجتزئ فيه بتكبيرة، بل أربع، كل منها تعلن بالشعار وتؤكد ما لأختها من الآثار، وتنبه القلوب على توحيد الله -تعالى- ومعرفته باسمه الكبير الذي لا يكبره شيء، وتمهد لتحقيق كلمة الإخلاص وشهادة الحق؛ لتأتي ألفاظ الشهادتين على القلب مستحضرٌ ما فيها مستقبلٌ معانيها، فالتكبير حريمها وبابها كما في شأن الصلاة، فهو تحريمة كل صلاة فرض ً ا أو نفلا ً ، جماعة أو فرد ً ا.

فمفتاح الصلاة ومدخلها التكبير، فحق الدخول إليها أن يكون مستصحب ً ا بما في التكبير من المعنى، بل تجد ذلك مؤكد ً ا بتكبيرة عند كل انتقال من ركن إلى الذي يليه، فالتكبير فتح له باب الصلاة وسلـَّمه من ركن إلى ركن ؛ ليتأكد له استصحاب عبودية القلب بتكبير الله -تعالى-، والتعلق باسمه الكبير حال صلاته كلها، فلا يتم له أركانها -من جهة القيام بحقوق ذلك واستثماره في عبودية قلبه وتزكية نفسه- إلا بشهود تلك المعاني، وعلى قدرها تحصل له تلك الثمار، ويجد نفسه بعد الخروج منها مأمول الآثار.

فلما كانت الصلاة في أصلها كبيرة يثقل القيام بحقوقها، يسَّرَها التكبير، وخفف على النفس ثقلها وكبرها، فالله أكبر، فكل ما يكبُر عليه، كبَّر فيه، فالله أكبر، كما إذا ما روعه أمر، كبَّرَ فأذهبه، كاضطرام النار، أو رفعه شيء، كبر فأدبه، كصعوده في الأسفار، أو خشي ما يحذر، كبر فردَّه، كخشية العين، أو غالبه مانع، كبر فهدَّه، كما في فتح رومية، بل في كل مغالبة وممانعة، فالله أكبر عدة أهل الدين فيها، يتقوون بها، ويتأسون بهديه -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ ) (متفق عليه) .

كذلك كل خيبر، كل ممانعة، كل غدر وخيانة، كل شبهة وفتنة، فالله أكبر الله أكبر من كل ما يكبر على العبد أو في نفسه، فبكبر الله -تعالى- يتعلق به قلبه، وبه يقوى، وبه يستعين، وعليه يتوكل.

الإشارة الثالثة:

يحسن من العبد كذلك أن ينظر في حكم التكرار، فإن التكبير كسائر الذكر كلاهما مطلوب ترديده، فمبناه على التكرار، وطلب الشرع ذلك على نوعين:

الأول: أن يعلق الجزاء على عدد مقيد، فالظاهر عدم حصول الموعود دون ذلك العدد، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ ؛ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلا ًّ أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ ) ( متفق عليه ) .

والثاني: أن يأتي الطلب مطلق ً ا غير مقيد، كتعليق الأجر على الذكر ولو مرة، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ؛ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الجَنَّةِ ) ( رواه الترمذي وصححه الألباني ) . أو أن يعلق الأجر على مطلق الذكر كما في قوله -تعالى-: ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) (البقرة:152) ، ويندرج تحته التكبير، فمنفعة هذا الذكر المطلق تراكمية ؛ إذ لا تحصل دفعة واحدة، بل يكون التحصيل بحسب تكرار العبد لها.

وفيه اعتناء الشرع بالمكلفين ورحمة الله بهم ؛ إذ ندبهم إلى تكرار الذكر ؛ ليستدرك العبد ما يمكن أن يفوته أولا ً من معاني كلمات الذكر في كل مرة يرددها، وليتأكد في قلبه ما حصل من معاني العبودية ؛ لتتمكن منه وتستوطنه، فحق ذلك أن يراعي العبد كل مرة تحقيق ما فاته في المرة السابقة، فيترقى على درج الذكر.

فكذلك التكبير المطلق حقه أن يسعف العبد إذا ما أعوزه ما فات، وتسلم كل تكبيرة إلى الأخرى محصول معاني السابق لها وزيادة المعنى الذي فيها.

الإشارة الرابعة:

فإذا عرفت ما تقدم ؛ كان حق كل تكبيرة منك أن تقع من القلب موقعها، فكأن قلبك هو المقصود بتلك التكبيرة ؛ ليستخلص منها ما تقدم معرفته، لتستثمر فيه أنواع ً ا من العبودية والتعلق بالله الكبير -سبحانه-، فالله أكبر، كلمة مداد حروفها نور به تنكشف من النفس عيوب وآفات ؛ ليحصل بها تيقظ وإيلام، تيقظ لما يجد العبد من نفسه لما نادى عليها بالتكبير، فرأى منها تواني ً ا دون تحصيل عبوديته، وفتور ً ا لا يسلم معه سير ولا ارتحال، وعيوب ً ا تقطع عليه سعيه وتسلب منه كسبه، وجد آفات وأدواء عادت بسببها النفس مريضة عليلة، فلما وجد العبد ذلك تألم، وألمه دليل حياة قلبه، فالله أكبر بها التيقظ فالإيلام.

ثم " الله أكبر " مرة أخرى لينكشف بنورها خفاء آخر، ما كان للعبد أن يلحظه بدونها ؛ لينكشف عور آخر من نفسه، ليتيقن معه تشخيص الداء، ويتبين فيه محل الاتهام، ألا تسمع حروفها وقد رجع إليك صداها حاكي ً ا، كاشف ً ا عن نفسك ما فيها، ما حال بينها وبين ما يرقيها ويزكيها، فإذا بها هي الجانية، هي موضع الاتهام، "فالله أكبر" يتيقن بها الاتهام، كيف؟! فالمتهم بين جنبيك لم يخرج عن ذلك.

فالمتهم الذي أتي بكل أسباب البلاء إنما هو نفسك، نفسك هي ذلك الشخص المتهم، فالتكبيرة الأولى بانت بها العيوب فحصل منها الإيلام، والتكبيرة الثانية انكشفت بها الجناية وتبين الاتهام.

فحق تلك الأيام أن تكوني يا نفس فيها منقطعة لله عن كل ما سواه، حق تلك الأعمال إصلاح به تجبرين العيوب، وتزكية بها تنالين الترقي، لكن بالتكبير تنكشفين، وبذكر الله تـُفضَحين.

أين الإصلاح؟

أين التعبد والتعلق بالله؟

أين مفارقة العيوب؟

أين هجران الذنوب؟

أين تغيير العادات؟

أين مخالفة المألوفات؟

كل ذلك لم يكن، بل ما زال منك ما كان.

الصفحة السابقة الصفحة التالية