إنا لله وإنا إليه راجعون
صوت السلف • من نور الوحيين
فإذا استحضر المرء ذلك لن يجزع مما يحدث للمسلمين أو الخوف والضرر الذي هم فيه بل الله اختارهم ليثبتوا على ذلك، ولمنزلتهم عنده جعلهم في محنة، وهي في الأصل منحة إذ لم يتركهم مع الهمل، بل جعلهم وسط عدوهم وأمدهم بالإيمان والطاعة والخير ووفقهم للالتزام والولاء لدينه وسط كم هائل من الأعداء، حتى ولو كان المرء وحده، فقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد" وله أعظم المنازل عند ربه، فاللهم لك الحمد كما نقول، وخير مما نقول، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
والجملة الثانية "وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" تحقق لك أمرين عظيمين: الأول: أن كل ألم ذاهب لأنك إلى الله راجع، بل الألم واللذة الكل سيزول فلن يدوم شيء حتى وإن فكرت أن تتخلص من الخوف والجوع ونقص المال والثمرات بمتابعة الكفرة والظلمة والسير في الركب، فحتى لو فتحوا لك أبوابهم وأعطوك ما تريد ببيع دينك، كل هذا سينتهي، ذلك لأنك إلى الله راجع والكل سيزول كما زال من قبلهم الظالم والمظلوم والقاتل والمقتول.
السجان والمسجون، الخائف والمخوف، وانظر مثلاً لقنبلة هيروشيما ذاك الحدث الجلل، لقد زال ومن ألقيت عليه ومن ألقاها ومن أمر بإلقائها ـ حتى من نجا ـ لم يبقى منهم الآن إلا من هم في سن العجائز، فاستحضر أنك لله راجع تصغر الدنيا في عينيك، ولن تجزع منها ولن تنافس في عزها.
والأمر الثاني: أنك إلى الله راجع ـ أي مسؤل ـ فإن صبرت فلن يضيع أجرك، وإن واليت الظلمة والكفرة وهربت من البلاء للمعصية كالمستجير بالرمضاء بالنار، فستحاسب أشد الحساب إذا رأيت ذلك حصل لك جناحي العبادة، خوف العقاب ورجاء ثواب الصبر، ومع الحب تكمل عبوديتك وطمأنينتك، ومهما أصبت بشيء من في سبيل الله ارتفع قلبك عن الدنيا وطار إلى الله ـ عز وجل ـ.
لذا فيكون كل قضاء للمؤمن خير ـ وإن أصابه ما أصابه ـ إذ تحصل له تلك المعاني الإيمانية العظيمة، ويشهد الربوبية ويتعبد بالألوهية (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة: 156) .
(أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة: 157) عليهم ثناء الله ورحمته وأمنه من العذاب، كما قال عمر بن الخطاب: نعم البدلان (صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) ونعمت العلاوة الزيادة في الحمل (هُمُ الْمُهْتَدُونَ) فأعطوا الثواب وزيدوا.
واستحضرها عندك ـ أن الله يثني عليك، ويذكرك في الملأ الأعلى عند الملائكة والنبيين ـ فتكون عبداً معروفاً بدلاً من أن تكون من الهمل، كما يقول البعض "لا أريد المشاكل" "لا نريد خوف ولا جوع" فيكون إنساناً بلا قيمة وأنى يريد هذا الجنان بلا بذل ولا تضحية.
والرحمة من الله في الدنيا والآخرة، فبمجرد وصول الصبر تجد أن مع البلية من أنواع العطايا أضعاف أضعاف، وتجد أنواعاً من العافية والأمن، والطمأنينة والهداية "وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ" إذ أن مع الصبر تنفتح للمرء أنواع العلوم كانت غائبة عن أحوال الرخاء الذي قد يعمى عن كثير منها.
وأعظم ما روي في ثواب الاسترجاع ما رواه أحمد عن أم سلمة قالت: "أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: لقد سمعت من رسول الله قولاً قد سررت به، قال: "لا يصيب أحد من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا فعل ذلك به"، قالت أم سلمة: "فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت، وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، ثم رجعت إلى نفسي وقلت: من أين لي خير من أبي سلمة، ولما انقضت عدتي استأذن عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وأنا أدبغ إهاباً لي ـ فغسلت يدي من القرص وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، قالت: فقعد عليها فخطبني لنفسه، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بي ألا يكون بك رغبة، لكني امرأة في غيرة شديدة فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني الله به وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال"، فقال: "أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السن، قد أصابني مثل الذي أصابك، وما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي"، قالت: "فقد سلمت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فتزوجها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيراً منه: رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
