نظرات في سن الأضحية وبيع جلدها
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
والحكمة في ذلك ظاهرة حيث أن الأضحية قربان يقدمه الإنسان إلى ربه، فالأصل أنه ليس له فيه شيء، إلا أن الله يرده إلى صاحبه هدية يأكل منها ويتصدق بما زاد، فبيع أي جزء منها إخراج لها عن هذا القدر الرفيع، وعلى الرغم من وضوح المسألة شرعاً وعقلاً إلا أن العلماء نظروا في المسألة تحت إلحاح أسئلة السائلين لاسيما في شأن الجلد حيث يقل انتفاع عامة الناس به لاسيما في البقر والإبل فلا يكون له إلا البيع، مع أن الأمر مازال ميسوراً بأن يتصدق المضحي بجلد أضحيته ثم يقوم المتصدَق عليه ببيعه؛ فهذا الذي جعل بعض أهل العلم يرى جواز بيع جلد الأضحية بنية التصدق بثمنه.
وهؤلاء لم يراعوا أن النهي المغلظ في شأن بيع جلد الأضحية لا يمكن الخروج عنه إلا متى وجدت ضرورة ولا ضرورة هنا بل ولا حاجة، أو على الأقل فإن الحاجة المدَّعاة هنا كان يوجد مثلها في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك بالغ في التحذير من بيع الجلد، بالإضافة إلى أن الترخيص في بيع الجلد بنية الصدقة بثمنه ذريعة إلى انتفاع المضحِي بثمنه مع طول العهد وتقادم الزمان، وهذا مثال واقعي لذلك تكرر مع أكثر من واحد أسوقه بأرقامه لتتضح الصورة، أتى الجازر إلى المضحِّي وكانت الأضحية بقرة وطلب 200 (مائتي) جنيه، مائة نقداً والجلد بمائة أخرى، فلما أصر المضحِي على أن يدفع الأجرة كلها نقداً طلب الجازر 250 جنيهاً، مما يعني أن المضحي لو وافق على العرض الأول وأخرج مائة جنيه عوضاً عن الجلد فسوف يكون منتفعاً بخمسين جنيها، حيث أن الجازر قد وقى نفسه مساومة المضحي ببخس ثمن الجلد.
ثم إنه يُخشى إن فُتح هذا الباب أن يؤدي إلى بيع ما في داخل الأحشاء ثم إلى بيع اللحم المختلط بالدهن وهلم جرا... والعلة في الجميع ستكون أن ثمنه أفضل منه، فحصل من ذلك أن المنع التام من بيع الجلد ولو مع التصدق بثمنه هو الموافق للمنقول والمعقول.
ومن فروع إغفال الناس لكون الأضحية هدية وقربان، واختزال معناها في اللحم تساهلهم بعيوب بينها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدعوى أنها لا تؤثر على طيب اللحم وهؤلاء ذهلوا عن أن الهدية يجب أن يراعي فيها المظهر والجوهر معاً، وهذا واجب في الأضحية والنسك، ومستحب في سائر الصدقات حتى ورد عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تطيب الدنانير والدراهم قبل أن تتصدق بها.
فائدة كتبها الشيخ ياسر برهامي حفظه الله:
أما جمع الجمعيات الخيرية والمساجد جلود الأضاحي وبيعها والتصدق بثمنها إما على الفقراء أو في المصالح كنفقات المساجد وغيرها، فهي أيضاً صورة حقيقتها بيع جلد الأضحية، لأن هذه الجمعيات والمساجد وكيلة عن الأغنياء لا الفقراء إلا إذا أخذ القائمون عليها توكيلاً واضحاً من فقراء معينين بأنهم يقبضون لهم لحوم الأضاحي وجلودها فيبيعونها لهم ويعطونهم ثمنها. وتصرف وكيل الغني بالبيع كتصرفه، ففي الحقيقة يكون الأغنياء المضحون قد باعوا جلد أضحيتهم للتصدق بثمنها، وأبعد هذه الصورة عن الجواز من يجعل هذه الأموال لغير الفقراء والمساكين ظاناً أن المسجد يتملك، والمسجد لا يتملك شيئاً، والأوقاف لو وقفت عليه فلابد أن تُستعمل كما هي حتى تبلى، ومعلوم أنهم يأخذون الجلود لا لتوقف على المسجد، بل لتباع فهي إذن لم تخرج من ملك المضحي إلا بالبيع الذي قامت به الجمعية أو المسجد فلا يجوز ذلك.أ.هـ
