ما يطلبه المستمعون
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مع الدعاة
وبعد هذه الجولة في أنواع الموضوعات التي يطلبها المستمعون والتي تجد من يستجيب لها من الدعاة، نشير إلى أن المستمعين قد يطلبون السجع المتكلف في بعض الأحيان فيتبارى بعض الخطباء في إنشاء أطول فقرة مسجوعة وهذا مما يجبر المتكلم على التكرار غير المفيد، وربما أوقعه في بعض المعاني غير السليمة ثم أن السامع يظل كاتماً أنفاسه وهو يتابع الجمل المسجوعة المتتالية دون أن يجد أي فرصة لكي يأخذ أي شيء من معانيها، ويقارب ذلك الأشعارُ الكثيرة المليئة بالألفاظ الغريبة فتكون عالة على الفكرة لا خادمة لها، وتساعد على تشتت ذهن السامع تشتتاً كبيراً ومن ذلك الكلام بالعامية لاسيما على المنبر بدعوى أن الناس لا يفهمون العربية، بينما يوجد كثير من الألفاظ الفصيحة التي يفهم العامة معناها، ويوجد كثير من الحيل التي تجعل الخطيب يوصل المعنى للسامع العامي وإن لم يكن قد علم معنى كل كلمة من مفردات كلامه.
وهذه المعاني قد أشار إليها كثير من دعاة الدعوة السلفية –بفضل الله تعالى- فنبهوا خطباءهم على ألا يستجيبوا لضغوط الجمهور وأن يحرصوا على تقديم النافع الذي يرتقي بمستوى الفرد والأمة، وكالعادة حصل انحراف في التطبيق من بعض هؤلاء الخطباء فصار عند إعداده لخطبة وكأنه سوف يحدث نفسه، فعلى مستوى الموضوع تجد عنده قائمة أولويات لا تتغير زماناً ومكاناً، وطريقة العرض طريقة واحدة هي التي دَرَسَ بها الموضوع ولو كان قد درس هذا الموضوع في عدة مرات وببناء جزل، فهو لا يفكر في عرض الموضوع إلا بهذه الطريقة، وعلى مستوى الأسلوب تجده يرى أن استخدام الشعر منقصة والجناس عيب إلى آخر هذه الصور المعروفة وإن كان هذا النموذج آخذ في التناقص لصالح النموذج الآخر، ولأن التوسط في ذلك هو الأفضل والأولى فإليك أخي الكريم بعض النصائح التي تعين على الاقتراب من هذا النمط الوسطي، مع الأخذ في الاعتبار أن لكل شخص بصمته الشخصية التي تختلف عن الآخر.
1- يجب على الداعي أن تكون له رؤية شاملة عن دين الله عز وجل تضم العقائد والعبادات والأخلاق والآداب والمعاملات، وهذه الرؤية يجب أن يحصلها من خلال دراسة منهجية تضمن عدم الشطط والانحراف في فهم أي جانب من جوانب الإسلام.
2- يجب على الداعي أن يعرف الواقع الذي يعيش فيه – دون الاستغراق في التفاصيل غير الهامة - من أحوال أمة الإسلام وأحوال مجتمعه، وما يشيع فيه من منكرات وما يوجد فيه من معاني الخير.
3- يقوم الداعي في كل منبر من منابر الدعوة - الخطبة، الدرس، الكلمة المكتوبة، بل عبر الزيارات الاجتماعية واللقاء العابر- بتكرار ما لديه من قضايا يريد تأصيلها عبر أولويات عامة تجعل العقيدة وأصول العبادات على رأس سلم الأولويات، وكذلك النهي عن أصول المنكرات والدعوة إلى العمل من أجل الإسلام، وعبر أولويات خاصة تناسب الشخص والمجموعة المخاطبة.
4- يجب أن يدرك الداعي أن الطريقة التي درَسَ بها أي قضية لاسيما قضايا الاعتقاد ليست دائماً هي الطريقة المثلى لعرضها، فيمكن عرضها في ثنايا قصة أو من خلال تفسير آية أو شرح حديث.
5- يجب على الداعي أن يحاول قدر الإمكان مخاطبة جميع من أمامه على اختلاف أفهامهم وليحرص على أن يتكلم بكلام – يرضي الخاصة ولا يتعالى على العامة- وهو أمر صعب ولكنه يسير على من يسره الله له، وفرق بين من لا يضع هذا الأمر نصب عينه وبين من يضعه ويحاول أن يقترب منه شيئاً فشيئاً.
6- ومما ينبغي أن يحرص عليه الداعي قياس مدى استيعاب السامعين لكلامه وليستعن في هذا برأي إخوانه، على ألا يغتر بمن عادته المدح، ولا ينشغل كثيراً بمن عادته الذم.
7- دور الداعي يقارب دور مدرب اللياقة البدنية في أنه ينبغي أن يعطي جرعة أعلى من القدرة الحالية للمدعو من ناحية عموم الموضوع وجزالة الأسلوب على أن تكون الزيادة بمقدار يستوعبه المدعو، وذلك مع استمرار قياس قدرة الناس، وأظن أن عموم الناس لديهم قدرة على استقبال كثير من المعاني الشرعية بدرجة أعلى بكثير مما نتصور.
8- لا ينبغي أن يصدم الخطيب السامعين في إعراضه عن موضوع يراه السامعون واجب الوقت مهما رآه هو مكرراً ومعاداً، فلا أقل من التعريج عليه ومثال ذلك الأفراح والأعياد مع الأخذ في الاعتبار أنه قد يُقبل في درس مالا يقبل في آخر، وعلى أية حال فإن أمور الشرع مترابطة بدرجة لا تُعيي أي متكلم بأن يخرج من موضوع إلى آخر.
9- المحسنات البلاغية عامل أساسي في تأثير الكلام في السامع وإنما ننكر على من يستغرق فيها بحيث تشغله وتشغل سامعه عن أي فائدة أخرى في الكلام وعلى هذا فيجب أن يحرص الخطيب على وضوح الفكرة التي يريد أن يوصلها وعلى أن يكون ذلك من خلال نور الوحيين الشريفين الكتاب والسنة، وهذا لا يمنع من بعض المثيرات البلاغية وكلها أساليب واردة في القرآن والسنة، من استفهام يحرك به ذهن السامع أو من مشاكلة لفظية تستريح لها الأذن، وقد يحتاج الأمر -لاسيما إذا طال- إلى كسر رتابة النثر بشيء من الشعر شريطة أن يكون واضح المعنى وإلا فإنه يشتت السامع بدلاً من أن ينشطه، وفي الجملة يجب أن يعرف الداعي والخطيب أنه جاء ليحدث الناس ويفيدهم علماً وعاطفة، وأن دوره في أن يستعمل ما أوتي من أدوات في سبيل هذه الغاية النبيلة.
