شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حجة الودع

الشيخ أحمد فريد • التزكية

وخطب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر -عاشر ذي الحجة- أيضًا حين ارتفع الضحى، وهو على بغلة شَهْبَاء، وعلي يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد، وأعاد في خطبته هذه بعض ما كان ألقاه أمس، فقد روى الشيخان عن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال‏:‏ خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، قال‏:‏ ( الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ، ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحَجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ ) (متفق عليه) .‏

وقال‏:‏ ‏( أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ )، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ( أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟ )، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ( فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ )، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ( أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ )، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ- عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلاَ فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلاَ لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ ) (متفق عليه) ‏‏.‏

وفي رواية أنه قال في تلك الخطبة‏:‏ ‏( أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ‏‏.‏

وأقام أيام التشريق بمنى يؤدي المناسك ويعلِّم الشرائع، ويذكر الله، ويقيم سنن الهدى من ملة إبراهيم، ويمحو آثار الشرك ومعالمها‏.‏

وقد خطب في بعض أيام التشريق أيضًا، فقد روي أبو داود بإسنادٍ حسنٍ عن سَرَّاءِ بنت نَبْهَانَ قالت‏:‏ خَطَبَنَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، يَوْمَ الرُّؤُوسِ، فَقال:‏ ( ألَيْسَ أوْسَطُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ )،‏ وكانت خطبته في هذا اليوم مثل خطبته يوم النحر، ووقعت هذه الخطبة عقب نزول سورة النصر‏.‏

وفي يوم النَّفْر الثاني -الثالث عشر من ذي الحجة- نفر النبي -صلى الله عليه وسلم- من منى، فنزل بخِيف بني كِنَانة من الأبْطَح، وأقام هناك بقية يومه ذلك، وليلته، وصلى هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة، ثم ركب إلى البيت، فطاف به طواف الوداع، وأمر به الناس‏.‏

ولما قضى مناسكه حثَّ الركاب إلى المدينة المطهرة، لا ليأخذ حظًّا من الراحة، بل ليستأنف الكفاح والكدح لله -تعالى-، وفي سبيل الله‏.

الصفحة السابقة