شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (38) آيات من القرآن في ذم القسوة (16)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

قال عبد الرزاق: حدثنا معمر قال: تلا قتادة -رحمه الله-: (( تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله -عز وجل- بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم؛ إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان.

وقال السدي: ( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) أي: إلى وعد الله. وقوله: ( ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) أي: هذه صفة مَن هداه الله، ومَن كان على خلاف ذلك فهو ممَن أضله الله، ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (الرعد:33) ".

قال ابن جرير -رحمه الله- في قوله -تعالى-: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ).

يقول -تعالى ذكره-: أفمَن فسح الله قلبه لمعرفته، والإقرار بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته. ( فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ) يقول: فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين، بتنوير الحق في قلبه فهو لذلك لأمر الله متبع، وعما نهاه عنه مُنتهٍ فيما يرضيه، كمَن أقسى الله قلبه، وأخلاه من ذكره، وضيقه عن استماع الحق، واتباع الهدى، والعمل بالصواب؟ وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه، وجواب الاستفهام اجتزاء بمعرفة السامعين المراد مِن الكلام؛ إذ ذكر أحد الصنفين وجعل مكان ذكر الصنف الآخر الخبر عنه بقوله: ( فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ).

عن قتادة، قوله: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ )، يعني: كتاب الله، هو المؤمن به يأخذ، وإليه ينتهي.

عن السديّ، قوله: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ) قال: وسَّع صدره للإسلام، والنور: الهدى.

وعن مجاهد: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ) قال: ليس المنشرح صدره مثل القاسي قلبه.

وقوله: ( فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ): يقول -تعالى- ذكره: فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر الله وأعرضت، يعني عن القرآن الذي أنـزله تعالى ذكره، مذكرًا به عباده، فلم يؤمن به، ولم يصدّق بما فيه. وقيل: ( مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) والمعنى: عن ذكر الله، فوضعت "مِنْ" مكان "عَنْ"، كما يقال في الكلام: أتخمت مِن طعام أكلته، وعن طعام أكلته، بمعنى واحد.

( أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء القاسية قلوبهم من ذكر الله في ضلال مبين، لمَن تأمله وتدبره يفهم أنه في ضلال عن الحق جائر".

وللتفسير بقية، ولنا مع الآيات وقفات -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة