شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فوائد وعِبَر من قصة الأبرص والأقرع والأعمى (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- الملائكة رسل الله في خلقه، بوظائف وأعمال كلفوا بها، وهم في طاعة دائمة لله -عز وجل-، وهم يحبون المؤمنين ويوالونهم: ففي القصة: ( فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الْأَبْرَصَ... )، وقال -تعالى-: ( بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ . لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (الأنبياء:26-27) ، وقال -تعالى-: ( لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (التحريم:6) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) (فصلت:30-31) .

- للملائكة قدرة على التشكل وفق ما به يأمرون: ففي القصة: ( ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ ) (1) ، وقال -تعالى-: ( فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ) (مريم:17) .

- لا تعارض بين كونهم موصوفين بالجمال ( مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) (يوسف:31) ، وبين مجيئهم في صورة الأبرص والأقرع والأعمى، فالمقصود حينما يكونون على هيئتهم الملائكية.

(3) نعم الله علينا لا تحصى:

- في القصة قيمة نعمة اللون الحسن والشعر الحسن والبصر، حيث لم يطلب الثلاثة قبلها شيئًا مِن الدنيا.

- نحن نملك نعمًا كثيرة لا تقدر بالمال: "جاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم؟ قال لا. فبيديك مائة ألف؟ قال لا. قال: فبرجليك؟ قال: لا، فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة!"، وقال -تعالى-: ( وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ) (النحل:18) ، وقال -تعالى-: ( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) (الذاريات:21) .

- انظر إلى المبتلين لتعرف قيمة ما أنت فيه من النعم (2) : قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( انْظُرُوا إِلَى مَنْ هو أَسفَل مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوقَكُم؛ فهُوَ أَجْدَرُ أَن لا تَزْدَرُوا نعمةَ اللَّه عَلَيْكُمْ ) (متفق عليه) ، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى المبتلى قال: ( الحمدُ للهِ الذي عافَانِي مِمَّا ابْتلاكَ به، وفَضَّلَنِي على كَثيرٍ مِمَّنْ خلق تَفضِيلًا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

(4) أثر البيئة على خلق الإنسان وسلوكه:

- هذا ظاهر من حال الثلاثة في طلبهم، الذي ناسب ما آل إليه حال كل منهم عند امتحان الملك لهم: ففي القصة: ( فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ ) (طلب الأول: جلد حسن ومال كثير "الْإِبِلُ" - وطلب الثاني: شعر حسن ومال كثير "البقر" - وطلب الثالث: أن يرد الله إليه بصره ومال يسير "الغنم").

- الإنسان يتأثر بما يخالط من الكائنات (بيئة قاسية - بُعد عن العلماء - ... ): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ألَا إنَّ القَسْوَةَ وغِلَظَ القُلُوبِ في الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أذْنَابِ الإبِلِ ) (متفق عليه) ، وقال -تعالى-: ( الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ) (التوبة:97) ، وقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) (الحجرات:4) ، وقال عمر للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ ) (3) (متفق عليه) .

(5) شكر النعم سبب بقائها، وجحودها سبب في زوالها:

- شَكَر الأعمى، فرد الله عليه بصره، وأبقى عليه نعمته: ففي القصة: ( فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ ).

- هكذا سنة الله جارية في كلِّ مَن شكر: قال -تعالى-: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) (إبراهيم:7) ، وقال عن شكر نبيه سليمان -عليه السلام-: ( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) (4) (النمل:40) .

- وعلى الجانب الآخر: جحد الأبرص والأقرع فأزال الله منهما النعمة، وردهما إلى ما كانا عليه: ففي القصة: ( ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ... فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ... )، وَقَالَ المَلَك للرجل الصالح: ( أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ ).

- وهكذا سنة الله جارية في كلِّ مَن عصاه وجحد نعمه: قال الله -تعالى-: ( وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (إبراهيم:7) ، وقال: ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) (القلم:17-20) ، وقال -تعالى-: ( سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ) (الأعراف:182) ، قال سفيان بن عيينة -رحمه الله-: "نُسبِغ عليهم النِّعم، ونمنعهم الشكر" (كتاب الشكر لابن أبي الدنيا) .

وصدق القائل:

الصفحة السابقة الصفحة التالية